" ندق ناقوس الخطر "
في الماضي ؛ كان التاريخ يُكتب في الكتب، أما اليوم فأحيانا ً يُعاد تشكيله عبر الشاشة.
هناك تكرار لظاهرة خطيرة لابد من التصدي لها بمنتهي القوة من اجهزة الدولة ومن الاعلام الخاص ووسائل التواصل الاجتماعي ، وهي بمناسبة فيلم محمد رمضان الجديد الذي يحتوي علي مغالطات تتعلق بتاريخ مصر وعلاقتها بالقرن الأفريقي
في فيلمه الجديد "اسد"
لنفس الكاتب - محمد دياب - الذي قام سابقا ً بتشويه عمدي لصورة شخصية كوكب الشرق بفيلم " ام كلثوم " الذي اثار امتعاض واستياء المصريين .
والغريب ان الفيلمان بتمويل وانتاج غير مصري !
واهم المغالطات التاريخية لفيلم اسد :
- الخلط بين العصور (ثورة الزنج): تدور أحداث الفيلم في عام 1876، إلا أن الأنباء والسيناريوهات المتداولة عنه أشارت إلى وجود إسقاطات وخلط مع أحداث "ثورة الزنج" التي وقعت في العصر العباسي (القرن التاسع الميلادي) في العراق، مما اعتبره المؤرخون خلطاً غير منطقي للأحداث والسياقات الزمنية المختلفة.
- اتهامات بخدمة أجندة "الأفروسنتريك":
أبدى بعض الأثريين - وعلى رأسهم كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصرية - تخوفهم من أن يحتوي الفيلم على أطروحات تتعلق بـ"الأفروسنتريك" (المركزية الأفريقية) عبر خلط التاريخ المصري بوقائع وأصول أخرى، مما قد يشوه الهوية التاريخية المصرية.
- تضارب العصر المملوكي والقرن التاسع عشر:انتقد المختصون الإشارات التي تربط أحداث الفيلم (التي تقع في القرن التاسع عشر) بما يسمى "العصر المملوكي". حيث انتهى عصر المماليك في مصر فعلياً في بدايات القرن السادس عشر على يد العثمانيين، ويُعد الزج به في أحداث القرن التاسع عشر مغالطة تاريخية ومعمارية وزمنية واضحة.
وهنا لا تصبح المشكلة مجرد مشهد درامي أو خطأ عابر في الملابس أو اللهجة أو ترتيب الأحداث، بل تبدأ الخطورة الحقيقية حين تتحول الدراما - مع الوقت - إلى المصدر الوحيد الذي يتلقى منه جيل كامل معلوماته عن تاريخه ورموزه وهويته.
فالأجيال الجديدة لم تعد تقرأ التاريخ كما كان يحدث سابقا ً، بل تراه، وتتلقاه في صورة مشاهد وصور وموسيقى وانفعالات.
ومن هنا تصبح الصورة الدرامية أكثر رسوخا ً في الذاكرة من عشرات الصفحات المكتوبة.
ولهذا؛ لم يعد الفن مجرد وسيلة ترفيه كما كان يُنظر إليه قديما ً، بل أصبح أحد أخطر أدوات تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الصورة الذهنية، وإعادة تقديم الماضي برؤية قد تبقى لعقود داخل عقل المشاهد.
ومن هنا أيضا ً نفهم لماذا تُثير بعض الأعمال التاريخية كل هذا الجدل
فالخلاف الحقيقي غالبا ً لا يكون حول ممثل أو مخرج أو كاتب فقط، بل حول السؤال الأخطر:
هل ما يُقدَّم هو “رؤية درامية” مشروعة؟
أم “إعادة تشكيل” للتاريخ والوعي تحت اسم الفن؟
خلال السنوات الأخيرة؛ بدأت تظهر حالة متكررة من الجدل حول بعض الأعمال التي تتناول شخصيات ورموزا ً مصرية أو فترات تاريخية حساسة.
ففي الوقت الذي أُثير فيه سابقاً جدل ٌواسع حول طريقة تقديم شخصية بحجم " أم كلثوم" ، وما اعتبره كثيرون ابتعادا ً عن صورتها الحقيقية وقيمتها الفنية والإنسانية؛ .. عاد الجدل من جديد مع فيلم “الأسد” لمحمد رمضان، بعد اتهامات متداولة بوجود مغالطات تاريخية وثقافية تتعلق بطبيعة العصر، واللهجات، وبعض التفاصيل المرتبطة بالهوية المصرية في تلك المرحلة.
وهنا لا يصبح السؤال:
هل الفيلم جيد أم سيئ؟
بل؛ هل يتحول العمل الفني مع الوقت إلى مرجع ذهني بديل عن التاريخ الحقيقي؟
وربما تكون المشكلة الأكبر أن المشاهد العادي لا يملك دائما ً أدوات التحقق التاريخي، فما يراه على الشاشة - خاصة ً إذا خرج بإنتاج ضخم وصورة مبهرة وحملات دعائية واسعة - قد يتحول تلقائيا ً داخل عقله إلى “حقيقة”
ومع التكرار؛ تصبح المغالطة أكثر خطورة من الكذبة نفسها، لأن الكذبة الصريحة قد تُكتشف بسهولة، أما المغالطة الناعمة فتتسلل بهدوء إلى الوعي حتى تستقر داخله دون مقاومة.
الأخطر أيضا ً أن كثيرا ً من الأعمال الحديثة لم تعد تُنتج فقط بهدف الإبداع الفني، بل أصبحت جزءا ً من صناعة ضخمة تتحكم فيها حسابات المنصات، والسوق، والتمويل، والتأثير الجماهيري العابر للحدود.
وهنا تبدأ معركة جديدة:
من يملك القدرة على إنتاج الرواية الأكثر انتشارا ً؟
وليس بالضرورة الرواية الأكثر دقة.
وهذا لا يعني إطلاقا ً أن كل عمل فني يحمل مؤامرة، أو أن أي جهة تمويل تسعى بالضرورة إلى التشويه المتعمد .. فهناك أعمال عربية كثيرة محترمة خرجت بإنتاجات ضخمة وقدمت محتوى راقيا ً.
لكن المشكلة تظهر حين يغيب التدقيق التاريخي، أو حين يتحول الجدل نفسه إلى وسيلة جذب وتسويق، أو حين يتم التعامل مع التاريخ باعتباره “خامة درامية” قابلة لإعادة التشكيل بلا حدود ؛ فالتاريخ ليس مجرد مادة للترفيه، بل هو ذاكرة أمة .. وحين تهتز ذاكرة الأمم؛ تصبح أكثر قابلية لإعادة التوجيه، وإعادة تشكيل الهوية، وربما إعادة كتابة القناعات نفسها.
ولعل الأزمة الحقيقية ليست فقط في الأعمال المثيرة للجدل، بل أيضا ً في غياب البديل القوي .. فحين تتراجع الأعمال التاريخية المصرية الرصينة، وتضعف الكتابة الدقيقة، ويغيب الاهتمام بالإنتاج الجاد، يترك ذلك فراغا ً ضخما ً يملؤه الآخرون برؤيتهم هم، لا برؤيتنا نحن.
ومن هنا؛
لا تكون حماية الوعي بالصراخ أو الهجوم أو التخوين، بل عبر:
إنتاج أقوى، وكتابة أعمق واحترام عقل المشاهد، وتقديم أعمال تحافظ على التوازن بين الإبداع والدقة.
وختاما ً ؛؛؛
فإن حماية الوعي الوطني ؛ لا تعني أبدا ً مصادرة الإبداع أو تقييد الفن، بل تعني إدراك أن بعض الأعمال، خصوصا ً تلك التي تتناول تاريخ مصر أو رموزها أو هويتها الحضارية - لم تعد مجرد أعمال ترفيهية عابرة، بل أصبحت جزءا ً من تشكيل الصورة الذهنية للأجيال القادمة.
وهنا؛
تبرز أهمية وجود دور أكثر فاعلية من الجهات والمؤسسات المعنية بالدولة في مراجعة وتدقيق الأعمال التي تتناول التاريخ المصري أو الرموز الوطنية، سواء كان إنتاجها محليا ً أو خارجيا ً، وذلك دون الانشغال بالنوايا أو الدخول في معارك جدلية، بل انطلاقا ً من مسئولية الحفاظ على الوعي العام ومنع تسلل المغالطات إلى ذاكرة المجتمع تحت غطاء الدراما أو الحرية الفنية.
فحين يتعلق الأمر بتاريخ مصر ورموزها ؛؛؛ لا يكفي حسن النية وحده، بل تصبح الدقة مسئولية، والوعي واجبا ًوحماية الهوية ضرورة لا رفاهية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ؛ ليس أن يُسرق تاريخها، بل أن يُعاد تقديمه لأبنائها بصورة تجعلهم لا يعرفونه أصلا ً.