تحليل لغة الجسد وما وراء التصريحات.. ترامب في الصين (الحلقة الثانية)
في الحلقة الثانية للتحليل النفسي لزيارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب للصين، نبدأ في تفكيك الشفرة النفسية والسياسية لأخطر وأغرب التصريحات التي أدلى بها دونالد ترمب مؤخراً من على متن الطائرة الرئاسية أثناء زيارته إلى الصين. الكلام قد يبدو في ظاهره عسكرياً ودبلوماسياً، لكن خلف الكواليس تدار لعبة نفسية معقدة جداً بذكاء التاجر وغطرسة القوة، بل وتصل إلى كواليس لغة الجسد والصراع الصامت على الهيمنة والنفوذ. في هذه الحلقة، نكشف عن أبعاد هذه اللعبة من خلال تفكيك الشفرة في أربعة أبعاد نفسية وسياسية، وصولاً إلى كواليس المظهر والبروتوكول التي أثارت جدلاً واسعاً.
عقدة "صانع الصفقات".. أنا لا أطلب من أحد
كرر ترمب عبارات واضحة مثل: "لم أطلب من الرئيس الصيني شيئاً"، و"لم أقدم أي تعهد بشأن تايوان". في سيكولوجية ترمب، يعد "الطلب" أو "التعهد" علامة ضعف مسبقة، وهو يرفض تماماً أن يظهر في صورة التابع، ويريد دائماً أن يكون "الطرف المهيمن" الذي ينتظر الآخرون إشارته، مستخدماً الغموض الدبلوماسي كمصدر قوة إستراتيجية لإبقاء الخصوم في حالة ارتباك.
ما يمارسه ترمب هنا يسمى في علم النفس بـ "الواقعية الراديكالية" التي ناقشها روبرت غرين في كتابه "قوانين الطبيعة البشرية"؛ حيث يرى القادة من هذا الطراز العالم كساحة صراع قوى حتمي، ويعتبرون "عدم الالتزام بتعهد" تأكيداً للقوة لا أخلاقياً بل إستراتيجياً. ووفقاً لكتاب "الوصول إلى نعم" لـ روجر فيشر، يستخدم ترمب إستراتيجية "الموقفية المتصلبة" لإعادة تعريف التفاوض كعملية استسلام للطرف الآخر.
الاعتراف بالند الذكي (الكل يتجسس)
عندما قال ترامب بكل صراحة: "الصينيون يتجسسون ونحن أيضاً نتجسس"، كان ذلك تجسيداً للواقعية السياسية العارية. ترمب لا يتعامل بمثالية أخلاقية أو شعارات دبلوماسية، بل يرى العالم كساحة صراع يعترف فيها بقوة خصمه (الصين) ويشرعن سلوكها وسلوكه على حد سواء، مما يخلق نوعاً من "الاحترام المتبادل بين الأقوياء" القائم على الندّية الفجة.
سياسة الجزرة والعصا الرقمية
إشارته المباشرة إلى أنه سيبحث "رفع العقوبات عن شركات النفط الصينية قريباً" تمثل مناورة سيكولوجية كلاسيكية. تهدف هذه الإشارة إلى إبقاء بكين في حالة ترقب وانتظار دائمين، معلقين بين الخوف من عقوباته الاقتصادية الصارمة، والطمع في كسب رضاه التجاري، وهي الإستراتيجية المفضلة لديه لإدارة المفاوضات. في كتابه "فن الصفقة"، يعترف ترمب باستخدامه لما يسميه "المبالغة الصادقة"؛ وهو أسلوب يستهدف إثارة استجابة الخوف والهروب لدى الخصم لتعطيل تفكيره العقلاني.
شراكة الأقوياء لإدارة العالم العنيف
جاءت جملته الصادمة لتختصر المشهد: "أمريكا والصين هما الدولتان الوحيدتان القادرتان على استخراج الغبار النووي من إيران". هنا يقسم ترمب العالم نفسياً وسياسياً إلى "قطبين قائدين" فقط، مستبعداً قوى كبرى أخرى مثل أوروبا وروسيا. هو يغازل كبرياء الصين وفي نفس الوقت يثبت تفوق أمريكا المطلق، وقد تكون هذه بداية المقايضة الكبرى: أن تترك أمريكا تايوان للصين، مقابل أن تمنع الصين مساعدتها وعلاقتها بإيران.
حرب الأطوال والكراسي المخصصة
وننتقل من تصريحات ترامب الي كواليس الزيارة التي كشفت عن صراع صامت من نوع آخر؛ صراع لغة الجسد وبسط النفوذ البصري. من المعروف أن طول ترمب يبلغ 190 سم، وهو أطول من الرئيس الصيني شي جين بينغ بفارق 10 سم. لكن المفاجأة هي أن ترمب ظهر في لقطات عديدة وكأنه أقصر من الرئيس الصيني، مما أثار انزعاجه .
يشير جو نافارو (عميل FBI السابق) في كتابه "ما يقوله كل جسد" إلى أن "الهيمنة المكانية" هي أقوى رسائل لغة الجسد. البروتوكول الصيني استخدم هنا ما يسمى "التحجيم المادي" عبر كراسي مصممة بذكاء تجعل ترمب يظهر في مستوى منخفض. كما أن ارتداء الرئيس "شي" لحذاء بكعب عالٍ لتعويض الفارق يسمى في العلوم السياسية "العدوان البروتوكولي الصامت"؛ وهو رد صيني ذكي لكسر "الهيمنة الجسدية" التي يحاول ترمب فرضها دائماً.