بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قراءة تحليلة ونفسية لزيارة ترامب للصين الحلقة "1"

البروفيسور جيانغ يحذر: متلازمة الغطرسة تقود ترامب إلى «فخ إيران» القاتل

صورة كاريكاتير تعبيرية
صورة كاريكاتير تعبيرية بالذكاء الاصطناعي

 

"متلازمة الغطرسة".. قاتل القادة الصامت (تحليل نفسي-سياسي لمصافحة ترامب)

 

ليس كل قائد عظيم ينهار لأن عدوه أقوى منه. بل لأنه، في لحظة ما، بدأ يصدق أنه أسطورة. هذه هي «متلازمة الغطرسة» – أخطر مرض سياسي يصيب صناع القرار، وأكثرهم مناعة ضد النصيحة، وأشدهم قربًا من الهاوية وهم يحسبون أنهم يصعدون إلى القمة.

ما حدث في المصافحة الشهيرة بين ترامب والرئيس الصيني لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي عابر. كان تشخيصًا حيًا لهذه المتلازمة بعينها.

صاغ هذا المفهوم بدقة العالم البريطاني ديفيد أوين، وهو طبيب أعصاب وسياسي سابق، بعد أن درس حياة قادة كبار مثل تشرشل وبوش وبلير وصدام حسين. وخلص أوين إلى أن استمرار القائد في السلطة فترة طويلة، مع تراكم النجاحات والإطراء، يُحدث تغييرًا فعليًا في كيمياء دماغه، ليصبح المرض ليس مجرد «غرور»بل إنه تحول نفسي-عصبي حقيقي، وحدد أوين خمسة أعراض تميز القائد «المتغطرس» وهي:

أولاً: فقدان الاتصال بالواقع – يبدأ القائد في تصديق الدعاية التي يصنعها له فريقه. يظن أن القوانين التي تنطبق على البشر لا تنطبق عليه، يصبح «أعلى من النقد».

ثانيًا: احتقار النصيحة المخالفة حيث يطرد المستشارين العقلانيين، ويحيط نفسه بـ«المصفقين» (Yes-men)، تموت غرفة العمليات والمناقشات، وتولد «غرفة الصدى» التي لا تردد إلا صوته.

ثالثًا: الهوس بالإرث التاريخي ، لم يعد سؤال القائد «ما هو القرار الصحيح؟»، بل «كيف سأبدو في كتب التاريخ؟» يضحي بالمصلحة الوطنية من أجل صورة البطولة.

رابعًا: الاندفاع والمجازفة : يتخذ قرارات كبرى بدون مشاورات كافية، لأنه مقتنع بأن عبقريته الخاصة تكفي.

خامسًا: العجز عن الاعتذار أو التراجع  حتى عندما يثبت فشل قراره، يصر عليه ويتعمق فيه، لأن الاعتراف بالخطأ يعني انهيار الصورة التي بناها لنفسه.

تجل متلازمة الغطرسة القائد أعمى عن نقاط ضعفه، وأصم عن صوت العقل، وأكثر ثقة من أي وقت مضى – وهذا هو بالضبط ما يسبق السقوط.

 

 باربرا توكمان و«مسيرة الحمق»

قدمت المؤرخة الأمريكية الكبرى باربرا توكمان نظرية موازية في كتابها الشهير «مسيرة الحمق: من طروادة إلى فيتنام». حللت فيه لماذا تتبع الحكومات سياسات تخالف مصالحها الواضحة وتنتهي بها إلى الكارثة.

واشترطت توكمان لكي تعتبر سياسة ما «حمقاء ناتجة عن الغطرسة» ثلاثة شروط: أن تكون نتائجها كارثية وملموسة، وأن تكون هناك خيارات بديلة واضحة ومتاحة في وقت اتخاذ القرار، وأن يحذر الخبراء من هذه النتائج قبل حدوثها ويتم تجاهلهم.

أمثلة من كتابها: حرب فيتنام (حذر الخبراء من المستنقع، لكن الغطرسة قالت: "نحن أمريكا")، وحرب الثلاثين عامًا، وغزو هتلر لروسيا. هذه هي بعينها «متلازمة الغطرسة» وهي ترتدي زي «الثقة الوطنية».

 

من القمة إلى الهاوية في خمس مراحل

وأوضحت توكمان من خلال دراسة عقود من سقوط الأباطرة والديكتاتوريات والديمقراطيات المتغطرسة، يمكن استخلاص هذه الدورة الثابتة:

المرحلة الأولى: النجاح العظيم – سلسلة انتصارات ساحقة تجعل القائد يشعر بأنه «لا يُقهر».

المرحلة الثانية: الاستعلاء – النظر إلى الخصوم على أنهم «ضعفاء» أو «حشرات» لا تستحق الدراسة.

المرحلة الثالثة: العمى الإستراتيجي – تجاهل التهديدات الحقيقية، والتركيز فقط على الانتصارات الوهمية.

المرحلة الرابعة: الخطأ القاتل – اتخاذ قرار انتحاري: غزو مستحيل، حرب استنزاف، مواجهة بدون خطة خروج.

المرحلة الخامسة: الانهيار – فقدان السيطرة، انهيار الروح المعنوية، ثم السقوط الدرامي السريع... وترامب اليوم  حسب متابعيه  قد يكون في نهاية المرحلة الثالثة أو بداية الرابعة.

«نيميسيس».. إلهة يونانية تحكم السياسة الحديثة

في الأساطير اليونانية، كانت الإلهة «نيميسيس» (Nemesis) مسؤولة عن معاقبة كل من يصاب بالغطرسة (Hubris). لم تكن شريرة، بل كانت ضابطة للتوازن؛ تعيد من تجاوز حده إلى الأرض.

في السياسة الحديثة، نيميسيس ليست إلهة. إنها قوانين الواقع والفيزياء والاقتصاد: قانون الجاذبية (ما ارتفع بغير عقل لابد أن يسقط)، وقانون الاقتصاد (لا يمكنك الإنفاق على الحروب إلى ما لا نهاية ودينك يتضاعف)، وقانون التاريخ (كل إمبراطورية ظنت أنها «أبدية» انهارت أمام من كان أكثر صبرًا).

يري البروفيسور الصيني جيانغ شيويه تشين الملقب بـ«نوستراداموس الصين»  أن أمريكا اليوم تعيش لحظة غطرسة شبيهة بلحظة روما قبل الانهيار.

 

10 ثواني من مصافحة ترامب تظهر المتلازمة  

الآن، دعنا نعود إلى المصافحة التي بدأنا منها. ما الذي رأيناه فيها من أعراض متلازمة الغطرسة؟

الأول: فخ السحب والسيطرة – ترامب عودنا أن مصافحته «تسحق» الخصم. يمد يده، يمسك، ثم يسحب نحو مساحته ليُظهر السيطرة. لكن الرئيس الصيني لم يتحرك. وهنا حدثت الإهانة الصامتة: صاحب متلازمة الغطرسة لا يتحمل أن يفشل في تمرينه المفضل أمام الكاميرات.

الثاني: ابتسامة الضفدع – وجه ترامب لم يُظهر الابتسامة الواثقة المعتادة، بل ما يسميه الخبراء «ابتسامة الضفدع» (شفاه مشدودة ممطوعة، عينان جامدتان). هذه في علم النفس السياسي آلية دفاعية لا إرادية تظهر عندما يشعر القائد النرجسي بالتهديد المفاجئ. كان وجهه يقول: «هذا لم يكن في السيناريو».

الثالث: التربيتات الخمس – لجأ ترامب إلى التربيت على يد الرئيس الصيني (خمس تربيتات متتالية). والتربيت – كما تعلم مدارس لغة الجسد – هو سلوك الأب مع الابن، أو الأكبر مع الأصغر. كان ترامب يحاول يائسًا أن يقول للكاميرات: «ما زلت أنا من يتحكم». لكن طول المصافحة (عشر ثوانٍ كاملة) كشف العكس.

الرابع: عدم التراجع بعد الفشل – لو كان ترامب قائدًا عاديًا، لعدل أسلوبه بعد أن فشل في سحب خصمه. لكن صاحب متلازمة الغطرسة لا يتراجع. يضغط أكثر. يكرر نفس الخطأ. وهنا الخطر الحقيقي.

 

ترامب يواجه «فخ الاستنزاف»

البروفيسور جيانغ شيويه تشين ليس مجرد «نبي» كما يحب البعض تسميته. هو باحث يستخدم نماذج رياضية نفسية لتحليل سلوك القادة. وتنبؤاته المثيرة للجدل ترتكز على فكرة أن ترامب يجسد متلازمة الغطرسة في أقصى صورها.

أبرز ثلاث نبوءات أطلقها جاينج في 2024: عودة ترامب للسلطة (تحققت)، والدخول في حرب مباشرة مع إيران (نحن في قلبها الآن)، والهزيمة الكبرى وانهيار الإمبراطورية الأمريكية (التي يرى أنها بدأت بالفعل).

يرى جيانغ أن ترامب لا يمكنه الفوز في هذه الحرب؟ يؤكد اصابته بالمتلازمة قائلا: «ترامب لا يخوض حربًا بالمعنى الكلاسيكي. يخوض استعراضًا عسكريًا. وعندما يواجه عدوًا لا يستعرض بل يستنزف – يرسل مسيرات رخيصة تدمر دبابات بمليارات الدولارات، ويضرب محطات الطاقة ويمنع البترودولار – يجد نفسه في حرب لا يمكنه إنهاؤها بخطاب ناري أو تغريدة غاضبة. وهنا تبدأ متلازمة الغطرسة في التهام صاحبها».

ويضيف جيانغ أن أمريكا وصلت إلى مرحلة «الشيخوخة الإمبراطورية»، حيث الانهيار لا يأتي من الخارج بل من الداخل: انهيار الإرادة، انقسام المجتمع، وتجريد القوات المسلحة من الروح المعنوية بسبب الحرب بلا هدف واضح.

تحت عنوان «الغطرسة السياسية» يمكن كتابة تاريخ الإمبراطوريات التي انهارت: الفرس، الرومان، البريطانيون، السوفييت. في كل مرة، اعتقد القائد في لحظة الذروة أنه استثناء. وفي كل مرة، أثبتت نيميسيس أنه ليس كذلك.

ترامب يتفاخر اليوم بالقوة العسكرية الأمريكية. لكنه لا يرى أن أكبر أعدائه ليس في طهران، بل في داخله: في تلك المتلازمة التي تجعله يسمع فقط صوت نفسه، ويرى فقط انعكاس صورته، ويظن أن الهزيمة تحدث دائمًا للآخرين.

هناك مقولة تقول التاريخ يعيد نفسه، أول مرة كمأساة.. والمرة الثانية كمهزلة . والسؤال الآن: هل أمريكا اليوم في صدد كتابة فصل جديد في مسيرة الحمق؟ أم أن ترامب سيفاجئ العالم ويكون أول قائد مصاب بمتلازمة الغطرسة يعرف متى يتوقف؟

الأيام المقبلة – وربما الأسابيع – لن تحسم فقط مصير حرب، بل مصير نظرية كاملة في علم النفس السياسي.