بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الزاد

برودة المنازل...

كثيرون منا يسعون إلى السكن في منازل كبيرة وواسعة، يحلمون بالفيلا الفاخرة والمساحات المفتوحة، باعتبارها عنوانًا للنجاح والاستقرار الاجتماعي. لكن ما لا يدركه البعض أن هذا الاتساع، الذي يبدو مريحًا في ظاهره، قد يحمل في داخله بذور فجوة خفية تتسع يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة. فبينما تتسع الجدران وتزداد الغرف، تتراجع المساحات المشتركة، ويبهت ذلك الدفء الإنساني الذي كان يجمع القلوب قبل أن تفرّقها المسافات داخل البيت الواحد.
كلما اتسعت المنازل، تسللت إليها البرودة... ليس برودة الجدران، بل برودة العلاقات. تلاشى ذلك الدفء الذي كان يملأ البيوت، وأصبحت المسافات بين الغرف أوسع من المسافات بين القلوب.
كثيرون تصوروا أن اتساع المنزل عنوان وجاهة اجتماعية، ودليل على الرفاهية والنجاح، لكن المفارقة أن هذا الاتساع نفسه كان على حساب الروابط الأسرية، التي أصبحت باهتة، فاترة، تفتقد شيئًا لا يُرى، لكنه يُشعر.
في الماضي، لم تكن المساحة هي المعيار. كانت الأولوية لتجمع الأسرة للاتساع. غرفة للأب، وأخرى للبنات، وثالثة للصبيان في الأسر الميسورة، أما في البيوت المتوسطة، فكان الشاب ينام في الصالة، يفسح الغرفة لشقيقته، يفعل ذلك بفخر، وكأنه ارتقى درجة في سلم الرجولة.
كانت الأسرة تجتمع حول "الطبلية" أو مائدة الطعام، ثم تنتقل معًا إلى "الركنة" حيث التلفزيون ذو القناتين، لمشاهدة مسلسل أو فيلم عربي أو مباراة. لم تكن الخيارات كثيرة، لكن القلوب كانت أقرب، واللحظة مشتركة.
اليوم، نعيش في بيوت واسعة، لكن كل فرد يسكن جزيرته الخاصة. آلاف القنوات، وشاشات في كل غرفة، وربما في كل يد، لكن الحوار غائب، واللقاء نادر، والصلة تكاد تكون مقطوعة.
تغيرت ملامح الأسرة، وتبدلت القيم. تراجعت العادات والتقاليد، واختلطت الأدوار، وأصبح الحديث في كل شيء متاحًا، حتى قبل اكتمال النضج. لم يكن الآباء يمنعون أبناءهم من السياسة عبثًا، بل إدراكًا لخطورة الوعي الناقص وسهولة التوجيه.
نعود إلى البداية... لم نجْنِ من اتساع المنازل سوى مزيد من التباعد. لم تعد المشكلة في الجدران، بل في المسافات التي سمحنا لها أن تنمو بيننا.
ربما لا نحتاج إلى بيوت أصغر، بقدر ما نحتاج إلى قلوب أقرب.
ولعل أخطر ما في هذه "البرودة" أنها لا تُلاحظ بسهولة، فهي لا تأتي فجأة، بل تتسلل تدريجيًا، حتى يعتادها الجميع وكأنها أمر طبيعي. يصبح الصمت هو اللغة السائدة، والانشغال هو المبرر الجاهز، وتتحول العلاقات إلى مجرد تواجد شكلي تحت سقف واحد، بلا تفاعل حقيقي أو مشاركة وجدانية.
في البيوت القديمة، لم يكن هناك ما يُسمى "الخصوصية المفرطة" التي نراها اليوم، بل كانت الحياة مكشوفة للجميع داخل الأسرة، وهو ما خلق نوعًا من الترابط الإجباري الجميل، حيث يعرف كل فرد تفاصيل يوم الآخر، ويشاركه أفراحه وأزماته دون حواجز. أما الآن، فقد تحولت الخصوصية إلى عزلة، وأصبح الباب المغلق عنوانًا لحياة كاملة لا يعلم عنها الآخرون شيئًا.
التكنولوجيا، رغم فوائدها، لعبت دورًا كبيرًا في هذا التحول. لم تعد وسيلة للتقارب، بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة للانفصال. يجلس أفراد الأسرة في مكان واحد، لكن كلٌ منهم غارق في عالمه الخاص، يتفاعل مع أشخاص بعيدين، ويتجاهل الأقرب إليه.
وإذا كان اتساع المكان قد ساهم في هذا التباعد، فإن ضيق الوقت أيضًا زاد الأمر تعقيدًا. ضغوط الحياة، والعمل لساعات طويلة، والسعي المستمر وراء تحسين المستوى المعيشي، كلها عوامل جعلت اللقاء الأسري رفاهية مؤجلة، أو عادة قديمة لم تعد تجد مكانًا في جدول مزدحم.
لذلك، فإن استعادة الدفء لا ترتبط بتقليص المساحات، بل بإعادة إحياء التفاصيل الصغيرة: وجبة تجمع الجميع، حديث بلا هواتف، لحظة إنصات حقيقي، واهتمام صادق. فالعلاقة لا تُبنى بالمكان، بل بالمشاركة، ولا تُحفظ بالجدران، بل بالقرب الإنساني الذي لا يُشترى.
في النهاية،  المشكلة أن بيوتنا كبرت...  لقاءاتنا صغرت، و المسافات بيننا اتسعت دون أن نشعر. قد ننجح في بناء جدران أعلى، وغرف أكثر، ومساحات أوسع، لكننا نفشل أحيانًا في بناء لحظة دفء صادقة تجمعنا.
الدفء لا يُشترى، ولا يُصمم في "ماكيت"المعماريين، بل يُصنع في تفاصيل بسيطة: كلمة، ضحكة، جلسة، واهتمام. فإذا أردنا أن نستعيد ما فقدناه، فلنبدأ من الداخل... من قلوبنا قبل بيوتنا.