التعليم.. لمن استطاع!
أصبح التعليم فى مصر لمن استطاع إليه سبيلا، وهذه هى القضية الخطيرة والكبرى والجسيمة التى تواجه مستقبل مصر وأجيالها القادمة.. لم يعد التعليم حقاً دستورياً كما ينص الدستور ولكن تحول إلى معضلة معقدة تتحكم فيها دوائر مصالح وما حدث من تغيير سياسات مستمر والإصرار على عدم مواجهة المشكلة من جذورها، وإنما الالتفاف حول مسميات وتعديل مسميات شهادات من ثانوية إلى بكالوريا، ومن اختبارات إلى تقييمات، ومن مواد تدريس حديثة إلى حذف لغات وتبديل مقررات، ومن وجبات مدرسية مقررة فى ميزانية الدولة إلى إهدار للمال العام وتنمر لتلاميذ يصارعون الحياة من أجل القليل من كل شىء.
وإذا نظرنا إلى منظومة التعليم الرسمى أو الحكومى والتجريبى والخاص فهو نوع من الرياء المجتمعى وهدر متعمد للمال والجهد وضياع المستقبل.. ليس بسبب المناهج التى تم تطوير العديد منها، خاصة اللغة العربية، ولكن لأن القضية هى أين هو المدرس أو المدرسة القادرين على القيام بالواجبات والمهام التربوية والتعليمية فى تلك المدارس دون أن يكون نصب أعينهما موضوع الدروس الخصوصية، حتى يستطيع المعلم أن يدفع مصاريف المواصلات وإيجار الشقة ويسدد نفقات الحياة، وفاتورة الكهرباء وروشتة العلاج، ومصاريف الأكل والشرب والملابس.. هذا إذا توافر لدى المدرسة معلما من الأصل لأن نسبة العجز فى أعداد المعلمين على مستوى الجمهورية تخطت الـ ٤٥٠ ألف معلم أى ما يقرب من نصف مليون حجر أساس فى البنيان التعليمى.. هل هكذا تبنى الأمم؟! مفهوم التربية والسلوك والانضباط صار من الكبائر ولا يشار إليه وإنما نجد التدنى من بعض القائمين على العملية التعليمية بعد أن أصبح كل من يملك بعض المال يريد أن يغسله وينظفه فيفتح مدرسة أو يشارك فى إدارتها دون أى رقابة تعليمية واضحة وحازمة وصريحة لأن الفساد تغلغل داخلنا فلا نلوم إلا أنفسنا.. أختفى المفتش التعليمى من الوزارة لنقص الأعداد ولعدم وجود خطة واضحة ولضعف بعض أو الكثير من النفوس للضغوط الاقتصادية والمادية مع غياب الرقابة الوزارية والضمير الإنسانى.
العملية التعليمية ليست فصول مكيفة مجهزة فقط وكراسى ومقاعد وكتاب وسبورة.. التعليم يبدأ من المدرس ثم الإدارة ثم الرقابة.. هكذا تكون العملية ناجحة للتلميذ الذى هو المستقبل الحى لهذا الوطن.
المدارس الحكومية والتجريبية فى أزمة تواجه المدارس الدولية واللغات التى لا رقيب ولا حسيب على مصروفاتها المبالغ فيها مما تهدد السلم المجتمعى، بل تسهم فى انشطار الوطن إلى طبقات متناحرة ومتنافرة تتباهى بأموالها وأسماء مدارسها وليس بعلمها وفكرها وأخلاقها، المدارس الدولية تعتمد على المال فى جذب أولياء الأمور ولكن داخلها الكثير من التسيب والتنمر والعنف، وغياب للانضباط بدعوى أن هذه هى التربية الحديثة وأن هذا التلميذ أبن فلان وعلان وترتان وأن سمعة المدرسة لا يجب أن توصم بأنها مدرسة متشددة تعاقب صغارها.. وصارت المدارس تستمد قوتها من أسماء أولياء الأمور ذوى النفوذ والمراكز العليا والذين يقومون بحمايتها من أى مخالفات مالية أو إدارية أو تربوية، المهم أن دائرة المصالح مستمرة.
ويأتى الكتاب الخارجى وما يمثله فى المنظومة التعليمية ليكمل دائرة الفراغ والثقب الأسود فى ضمير المنظومة التعليمية.
إن الجيل القادم هو الذى سوف يبنى هذا الوطن ويحافظ على مقدراته ويحمى أرضه؟!.. الجيل الذى يمزق أوراق الامتحان ويقطع الكتب ويلقيها على أرض فناء المدرسة.. ويرقص بالسلاح الأبيض أمام لجنة الامتحان، ويغش بكل الطرق والوسائل بمباركة الأهل الذين لا يهمهم التعليم والتربية وإنما الدرجة والشهادة، بكل حزن وأسى وأسف وخوف ورعب إنه الجيل القادم الذى لا ينتمى للوطن ولا ينشد التقدم والتطور، وإنما كل ما يشغله ماذا يكسب وما هى النتيجة وما هى الدرجة، أما جيل المدارس الدولية المستغربة لا يحب لغته العربية ولا تاريخه ولا يعرف معنى القومية، ولا يرى نفسه جزءاً من مستقبل بلده أو أمته.. الأزمة والقضية مخيفة لأنها تشكل صورة مظلمة لوطن يعانى حاليا من نقص حاد فى الكفاءات فما بالنا بالقادم.