الوحدة.. من مقاصد الحج الكبرى
الحج ليس مجرد شعيرة عبادية فردية، بل هو مدرسة وحدة عالمية تجسد أسمى معاني الأخوة الإسلامية بين المسلمين في أرجاء العالم الإسلامي؛ فهذه الشعيرة العظيمة يجمع الله فيها المسلمين من كل أصقاع الأرض، على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم، في مشهد يذكرنا جميعا باليوم الآخر؛ حيث نقف جميعا أمام رب العالمين سواسية؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلىٰ كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: 27].
وفي هذا النداء الإلهي تتجلى الوحدة بين المسلمين في أبهى صورها؛ حيث إنهم يأتون رجالا متساوين، من كل فج عميق في لباس واحد، وفي هيئة واحدة، ملبين ومهللين ومتضرعين لله رب العالمين أن يقبل منهم حجهم؛ فيؤدون مناسك واحدة، ويدعون ربا واحدا.
وتتجلى مظاهر الوحدة بين الحجيج في الآتي:
الإحرام ولباس التوحيد:
يخلع الحاج ثيابه العادية ويلبس لباس الإحرام الأبيض البسيط المكون من (إزار ورداء)؛ وهذا اللباس هو الذي لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين أمير وخادم، ولا بين أبيض وأسود؛ وفي ذلك يقول النبي ﷺ في حجة الوداع – في الحديث الذي رواه (أبو نضرة)، أنه قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟» [أخرجه أحمد في مسنده (٣٨/ ٤٧٤/ ٢٣٤٨٩)].
الطواف حول البيت:
يطوف المسلمون حول الكعبة كما تطوف وتدور الكواكب حول الشمس، في مشهد يرمز إلى الوحدة حول العقيدة الإيمانية الصافية؛ فلا يبدأ الحاج طوافه إلا ب «لبيك اللهم لبيك»، معلنا الاستجابة لنداء الله.
الوقوف بعرفة
هو ذروة الحج وسنامه وركنه الأعظم؛ حيث يقف فيه الملايين من المسلمين والمسلمات على جبل عرفة وما حوله، في يوم واحد، يدعون ويستغفرون ورافعين أكف الضراعة بالدعوات والأمنيات لرب الأرض والسماوات؛ ففي هذا اليوم يباهي الله بهم ملائكته ويغفر لهم، ويظهر للعالم أجمع أن المسلمين أمة واحدة.
الرمي والذبح والحلق:
كلها أعمال جماعية تعبر عن الطاعة المشتركة، والتخلص من النفس الأمارة بالسوء وأفعال الشيطان الرجيم، والعودة إلى الفطرة النقية.
وختاما: فالحج مدرسة الوحدة الإسلامية الكبرى؛ يجمع الله فيه المسلمين من كل أنحاء الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وطبقاتهم، في مشهد يعكس حقيقة الأخوة الإيمانية، معلنا أن الناس سواسية كأسنان المشط، متآلفين متعارفين متوادين؛ في تجسيد حي لقوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات: ١٣].
ففي الحج تذوب العصبيات والقبليات والحدود الضيقة، وتعود القلوب نقية متآلفة كما أراد الله لأمة سيدنا رسول الله ﷺ؛ فالحاج الحق هو من يعود إلى أهله حاملا روح الوحدة والمحبة، داعيا إلى التمسك بها في كل زمان ومكان.
بقلم الدكتور محمود راغب - عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية