بين طريق الحرير والذكاء الاصطناعي
شراكة العرب والصين تتحول إلى جبهة لمواجهة "المعايير المزدوجة" من القاهرة
تحول التقارب العربي الصيني من مجرد أرقام في موازين التبادل التجاري أو توافقات في أروقة الدبلوماسية السياسية، الي "كتلة حاسمة" من القوة الناعمة تسعى لإعادة تعريف السردية الدولية. فمن قلب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة ، جاء انطلاق "منتدى الجنوب العالمي لوسائل الإعلام ومراكز الفكر" ليعلن أن معركة الحاضر تدار بأسلحة الوعي والرقمنة، وأن عام 2026 يمثل "لحظة صدام إيجابي" بين إرث طريق الحرير التاريخي وطموحات السيادة التكنولوجية، في محاولة جادة لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يتجاوز إرث الهيمنة الأحادية.
في هذا السياق الإستراتيجي، أكد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية أن الجامعة تعمل على تحويل الصداقة العربية الصينية إلى واقع ملموس يعمق التبادل على كافة المستويات، مشيراً إلى أن القمة الأولى في 2022 كانت حجر الزاوية، بينما تُمثل القمة المرتقبة في عام 2026 محطة استثمارية كبرى لتحقيق التكامل الشامل. وأوضح أن هذا المنتدى يمثل "شرياناً رئيسياً" لانصهار الثقافات، حيث تبرز مراكز الفكر كبوتقة لاستشراف الحلول، ووسائل الإعلام كمرآة تنقل طموحات الشعوب بعيداً عن صراعات الثقافات.
محورية القاهرة والذكرى السبعين
من جانبه، ربط رئيس وكالة "شينخوا" فو هوا بين ثقل الماضي وتحديات المستقبل، معتبراً عام 2026 عاماً مفصلياً يتزامن مع مرور 70 عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، وهي الانطلاقة التي أسست لعلاقات بكين مع العالم العربي ككل. وشدد فو هوا على أن التعاون العربي الصيني أصبح اليوم نموذجاً ملهماً لدول الجنوب، خاصة مع توقيع وثائق "الحزام والطريق" مع 22 دولة عربية، مؤكداً أن التنسيق في منصات مثل "بريكس" ومجلس الأمن يهدف لحماية قواعد القانون الدولي ودعم مسارات التنمية المستقلة.
ولم ينفصل الحوار الفكري عن الواقع الميداني؛ إذ جدد أبو الغيط تقديره للدعم الصيني الثابت للقضية الفلسطينية، مطالباً المجتمع الدولي بالضغط لوقف الانتهاكات في غزة والضفة الغربية كشرط أساسي للاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، برز ملف "التحول الرقمي" كأحد أخطر التحديات المشتركة؛ حيث دعا المشاركون إلى تكاتف إعلامي لمواجهة "المعلومات المضللة" واستثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن بناء "حوكمة عالمية" تقلص الفجوة بين الشمال والجنوب وتمنع اختراق الخصوصية الثقافية للمجتمعات.
وشهدت أعمال المنتدى، التي انطلقت بمشاركة واسعة من الأكاديميين والمسؤولين، نقاشات مكثفة حول بناء "سردية اتصال دولية جديدة" تكسر احتكار المعلومة، بالإضافة إلى افتتاح معرض "تلاقي الفنون" الذي يربط الإرث الثقافي بطموحات المستقبل. وخلص المنتدى في يومه الأول إلى أن تكاتف وسائل الإعلام ومراكز البحث هو الضمانة الوحيدة لتحويل "مبادرة الحضارة العالمية" الصينية إلى مسار إنساني عملي يتجاوز الصراعات ويؤسس لشراكة طويلة الأمد في عالم دائم التغير.