فضائل المدينة المنورة وسبب تميزها عن باقي البقاع
من المقرر شرعًا أن المدينة المنورة ليست كبقية البقاع، بل هي حرمٌ آمن ومستقرٌ للبركة النبوية، كما أنها قلب الإسلام النابض ومأْرِز الإيمان، فضلًا عن أنها تحتوي على فضائل كثيرة.
فضائل المدينة المنورة:
من فضائل المدينة المنورة، التالي:
- مضاعفة الأجر:
لقد خصَّ الحق - سبحانه - المسجد النبوي بمكانةٍ علية، فجعله أحد الأركان الثلاثة التي تتوجه إليها قلوب السالكين وتشد إليها الرحال طلبًا للفضل؛ لقول سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ: مَسجِدِ الحَرامِ، ومَسجِدي، ومَسجِدِ الأقصى» [البخاري، الصحيح،١٨٦٤]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَام» [البخاري، الصحيح،١١٩٠].
وهذا الاستثناء من عموم البقاع إنما كان لسرٍّ أودعه الله في هذه المساجد؛ فالمسجد النبوي ليس مجرد حيزٍ للمناسك، بل هو مركز البركة النبوية، حيث جعل - صلى الله عليه وسلم - الصلاة الواحدة فيه تزنُ في ميزان الحق مِداد ألف صلاة فيما سواه من بقاع الأرض - باستثناء المسجد الحرام - وفي هذا الفيض دلالةٌ على أنَّ الزمان والمكان في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمددان ببركته، فيمنحان المؤمن من الثواب ما لا يبلغه في عُمرٍ كاملٍ من العبادة في غيرها من الأمصار.
- شدة المحبة:
إذا كانت النفوسُ تشرئبُّ لسكني المدينة طمعًا في مضاعفة الأجور بين أساطين مسجدها، فإنَّ هذا التعلق المادي بالثواب يسبقهُ تعلقٌ وجدانيٌّ بالذات؛ فالمحبُّ لا يطلبُ الأجرَ فقط، بل يطلبُ القُرب، وهذا ما تجلى في حال الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يرى في المدينةِ سَكنًا لروحه قبل أن تكون مِحربًا لعبادته، فيصف سيدنا أنس – رضي الله عنه - حال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إذا قدِم من سفرٍ فنظر إلى جُدُرات المدينة أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ (أي أسرع بها)، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا" [البخاري، الصحيح، كتاب فضائل المدينة، رقم ١٨٨٦].
- حرمة المكان:
وإذا كان سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قد أسرع بركابه شوقًا إلى جدرات المدينة، فإنَّ هذا الشوق لم يكن مجرد عاطفةٍ عابرة، بل كان إيذانًا بجعل هذه البقعة حَرَمًا آمنًا وحِمىً مقدسًا، تذوبُ فيه إراداتُ القتال، وتُحقنُ فيه الدماء، وتُحترمُ فيه حتى الشجرةُ والخضرة، لتبقى المدينةُ نموذجًا للسلامِ العالمي الذي يرعاهُ الوحي، فرسم - صلى الله عليه وسلم - حدود الحرم هي ما بين الحرتين شرقًا وغربًا، وما بين عير إلى ثور يمنًا وشامًا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ»،[البخاري، الصحيح،١٨٧٣]، وقوله: «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ» [البخاري، الصحيح،٦٧٥٥].
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا، مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ» [مسلم، الصحيح، ١٣٧٤].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المدينةُ حرامٌ من كذا إلى كذا، لا يُقطَعُ شجرُها، ولا يُحدَثُ فيها حدثٌ، من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدِثًا، فعليه لعنةُ اللهِ، والملائكةِ، والناسِ أجمعين، لا يَقبل اللهُ منه يومَ القيامةِ صرفًا، ولا عدلًا» [البخاري، الصحيح،١٨٦٧].
- دعوات البركة والحماية:
لقد خص سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مدينته بدعواتٍ جرت مجرى النور في أرزاقها، فدعا بالبركة في الصاع والمُدّ وهما مِكيالا أهل المدينة، كان - صلى الله عليه وسلم - يرسخُ مفهوم البركة النوعية التي تجعلُ القوتَ البسيط كافيًا وافيًا، بل وعقّب - صلى الله عليه وسلم - بطلبِ الزيادة قائلًا: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» [مسلم، الصحيح، ١٣٧٤].
- الحماية من الدجال والطاعون بفضل حراسة الملائكة لنقاب المدينة"
قال - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» [البخاري، الصحيح،١٨٨٠].
إنَّ منع الدجال والطاعون من دخول المدينة هو رمزٌ لانتصار النور المحمدي على الظلمة الشيطانية؛ فالمكان الذي تنفس فيه الوحيُ لا يقبلُ نقيضه، وحراسةُ الملائكة هي رسالةٌ لكل مؤمن بأنَّ المدينة هي بوصلةُ الثبات عند اضطراب الأمور.
- الروضة الشريفة هي بقعة من الجنة على الأرض:
قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» [البخاري، الصحيح،١٨٨٨].
في هذا النص تجلياتٌ إيمانية مذهلة؛ فالروضةُ ليست شبيهًا بالجنة فقط، بل هي عند المحققين بقعةٌ حقيقية من الجنة ستنتقل يوم القيامة إلى مكانها الأصيل، أو هي بقعةٌ تنزلُ فيها الرحماتُ والسعادةُ كما تنزلُ في الجنة [ انظر: الإمام النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ٩/ ١٦١]
- مسجد قباء بالمدينة الصلاة فيه تعدل عمرة:
إذا كانت الروضة قطعةً من الجنة، فإنَّ قباء هو البابُ المفتوح لنيل عمرة من قلب المدينة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاةُ في مسْجدِ قِباءٍ كعُمرةٍ» [الترمذي، السنن، (٣٢٤)، وابن ماجه، السنن (١٤١١].
إنَّ فضل قباء يُعلمنا أنَّ الله يضع بركته في الأماكن التي أخلص فيها العبادُ نياتهم في البدايات؛ فكل بقعةٍ شَهِدت صِدقَ التوجه إلى الله، صارت مَصدرًا للنورِ ومَنبعًا للأجور المضاعفة.
- فضل الجبال والأودية التي تقع بها:
في المدينة المنورة، لم تقتصر البركة على المساجد وحدهـا، بل سرت في صخورها وجبالها، حتى صار الحجرُ والشجرُ رفيقًا مُحبًا، كجبل أحد الذي قال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «وهذا أُحُدٌ، وهو جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه» [البخاري، الصحيح، رقم ١٤٨١]، ووادي العقيق الذي وصفه بالوادي المبارك فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمْرَةً في حَجَّةٍ» [البخاري، الصحيح، رقم ١٥٣٤].
- عجوة المدينة:
اختار - صلى الله عليه وسلم - عجوة المدينة لتكون مَددًا للأبدان وحِصنًا للأرواح، وترياقًا يقطع دابر السوء ببركة تربتها الزكية فقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» [البخاري، الصحيح، رقم ٥٧٦٨].
- الصبر على شدتها:
وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصابرين على لأوائها بالشفاعة، فقال: «لا يَصبِرُ على لَأواءِ المَدينةِ وشِدَّتِها أحَدٌ مِن أُمَّتي إلَّا كُنتُ له شَفيعًا يَومَ القيامةِ أو شَهيدًا» [مسلم، الصحيح، ١٣٧٨].
- إهلاك من أرادها بسوء:
من جلالِ قدرها أنَّ الله يتولى الدفاع عنها بنفسه؛ فكل من أضمر لها سوءًا أو أراد كيدًا بأهلها، فإنَّ القوة الإلهية تذيبه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أرادَ أهلَ هذه البَلدةِ بسوءٍ -يَعني المَدينةَ- أذابَه اللهُ كما يَذوبُ المِلحُ في الماءِ» [مسلم، الصحيح، ١٣٨٦].