حين يصبح القتل سياسة
إن ما تفعله إسرائيل في لبنان اليوم لا يمكن توصيفه إلا باعتباره امتدادًا لنهج عدواني قديم يتغذى على الفوضى، ويستثمر في هشاشة الواقع الإقليمي لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب دماء المدنيين واستقرار الشعوب. فالمشهد ليس جديدًا، لكنه يزداد فجاجة ووقاحة، وكأن القواعد الدولية لم تعد تعني شيئًا في حسابات القوة الغاشمة.
إن الضربات المتكررة، والتوغلات العسكرية، والتهديدات المستمرة، تكشف عن عقلية لا تؤمن إلا بمنطق التفوق المُطْلق، ولا ترى في السيادة اللبنانية سوى عنصر يمكن تجاوزه متى شاءت. هذا السلوك لا يهدف فقط إلى تحقيق أهداف أمنية مزعومة، بل يسعى إلى فرض معادلة ردع أحادية، تجعل من لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، دون اعتبار لنتائج ذلك على المدنيين أو البنية التحتية أو الاستقرار الداخلي.
الأخطر من ذلك هو هذا التواطؤ الدولي الصامت، أو في أحسن الأحوال، العاجز عن القيام بأي رَدّ فعل. فبين بيانات الشجب الخجولة، وخرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، والهدنة الهشة المُعلنة في أبريل، تُمنح إسرائيل مساحة أوسع للمضي قدمًا في سياساتها، وكأن دماء اللبنانيين أقل قيمة في ميزان العدالة الدولية. هذا الصمت لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، لأنه يمنح الغطاء السياسي لاستمرار هذه الانتهاكات الخطيرة والاعتداءات السافرة.
وتأتي هذه التطورات بينما يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي ضرباته العنيفة على لبنان منذ 2 مارس/آذار الماضي، مخلفًا ٢٧٠٠ قتيل و٨٠٠٠ جريح وأكثر من مليون نازح، بحسب أحدث معطيات رسمية.، مع تسجيل ذروة دموية خلال أيام ٨ إلى ١٠ أبريل وحدها التي أسفرت عن نحو ٣٥٠ قتيلًا وأكثر من ١٢٠٠ جريحٍ، إضافة إلى سقوط عشرات الضحايا في يوم واحد بينهم عناصر من الطواقم الطبية، في ظل دمار واسع طال مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبنية التحتية الحيوية، ما جعل هذه الفترة من أكثر الفترات دموية وضغطًا على لبنان في تاريخه الحديث.
لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، يجد نفسه اليوم أمام ضغط زائد وعبء إضافي يهدد ما تبقى من تماسكه. فالعدوان لا يضرب فقط الأرض، بل يضرب الثقة، ويعمّق الشعور بالعجز، ويدفع نحو مزيد من التوتر والانقسام. وكأن المطلوب هو إبقاء هذا البلد في حالة استنزاف دائم، لا يلتقط أنفاسه ولا يستعيد عافيته.
إن ما يجري ليس مجرد "تصعيد عسكري" عابر، بل هو رسالة واضحة مفادها أن القوة ما زالت هي اللغة الوحيدة المعترف بها في هذا الجزء من العالم. لكن التاريخ أثبت مرارًا أن هذا المنطق، مهما بدا ناجحًا في المدى القصير، يحمل في داخله نُوى الإخفاق وبذور الفشل. فالشعوب التي تُستهدف وتُقهر لا تنكسر بسهولة، بل تتحول مع الوقت إلى قوة مقاومة يصعب كبحها واحتواؤها.
في الختام، يبقى السؤال: إلى متى سيظل هذا المشهد يتكرر؟ وإلى متى سيبقى القانون الدولي مجرد حبر على ورق؟ ما تفعله إسرائيل اليوم في لبنان ليس فقط عدوانًا على دولة، بل اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم الذي يبدو حتى الآن، غائبًا.