بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات فى الهوس الجماعي

 

عندما وصل النجم الهندي أميتاب باتشان إلى مصر في مطلع التسعينيات، لم يكن يعلم أنه فى طريقه لمواجهة موقف عصيب، فما إن لامست قدماه أرض مطار القاهرة حتى انفجرت في وجهه موجات من الهستيريا الجماعية التي تجاوزت حدود الإعجاب لتصل إلى حافة الجنون. وتدافعت الفتيات في مشهد جنونى لتمزيق ملابسه والتعلق به وسط صراخ ونحيب من المعجبات وحالات إغماء جماعى من فتيات لم تتحمل مشاعرهن الرقيقة رؤية نجمهن المفضل وجهاً لوجه ، مما جعله  يصاب بالفزع ويرتد إلى الوراء مستاءً من هذا الجنون، واصفاً ما يحدث بأنه دليل على المرض النفسي. هذه الحادثة -وغيرها - تضعنا وجهاً لوجه أمام تساؤل جوهري حول تلك الرغبة الدفينة في تأليه البشر، وسرعة السقوط في فخ الهوس الذي يجعل المتبوع رمزاً مقدساً.

وهذه العصبية التي تنتاب البعض اليوم عند توجيه أي نقد موضوعي لرمز معين مثل ما حدث في موضوع دكتور ضياء العوضى -ونحن هنا لا نتحدث عن منهجه فقد فعلنا من قبل - نقول هذه العصبية تتشابه مع هيستريا المطار فى ذلك اليوم من حيث حلول التعلق المرضي محل الاقتداء الواعي. إنها النفسية الهشة وهى تبحث عن قدوة تعوضها عن انكساراتها الواقعية،  فتحاول أن تبنى من شخصيةٍ ما حصناً منيعاً، وما إن يقترب ناقد من هذا الحصن، حتى تشتعل العصبية ويندلع الغضب لدرجة اللجوء إلى الشتائم وشيطنة الآخر، ليس حباً في الرمز، بل خوفاً من انهيار الأنا التي استمدت قيمتها من الالتصاق به.

إننا نتأمل ذلك الانفجار العصبي الذي يصيب البعض بمجرد سماع أي نقد لشخص يتعصبون له.  وكيف أنهم يستعملون الإرهاب الفكري كسلاح دفاعي، فإما أن تقدس معنا هذا الشخص، أو أنت عدو وخائن وجاهل ومتآمر ،  إن المأساة الحقيقية في هذا النوع من الهوس الجماعي تكمن في الانغلاق العقلي، حيث لا يتصور هؤلاء المهووسون ولو للحظة أن دافعك لنقد رمزهم نابع من خوف حقيقي على المجتمع وعلى صحة الناس مثلاً. بل أنت مجرد حاقد أو عدو يسعى لهدم القلعة التي يحتمون بها. هذا العمى الفكري يجعلهم ينظرون لأي نقد موضوعي وكأنه  مؤامرة. فالشخص الذي يسلم عقله لرمز بشري يرفض أن يصدق أن هذا الرمز قد يضره، لأن اعترافه بالخطر يعني انهيار منظومة الأمان التي بناها حول نفسه. وهنا تتحول الظاهرة من مجرد إعجاب إلى خطر اجتماعي داهم وإلى فتنة تبث العداوة بين أبناء الوطن.

إن ظاهرة تقديس البشر أو الارتباط المرضي بالرموز هي أحد أعقد الظواهر النفسية والاجتماعية في العصر الحديث، فالنفس المتعبة  تبحث عن بطل مخلص يجسد القوة أو الحكمة أو النجاح الذي يفتقده الفرد في حياته الواقعية. وهكذا يحدث نوع من الاندماج النفسي.  والقاعدة النفسية الشهيرة التي تقول إن "الوعاء الفارغ يسهل ملؤه " تنطبق تماماً على حالات الهوس الجماعي، فالإنسان الذي يفتقر إلى مخزون ثقافي متين أو وعي فكري يحميه، يصبح أرضاً خصبة لغرس أي بذور، منطلقاً من وهن ثقافي يجعله يفتن بالفكرة دون مقدرة على التمحيص لانعدام المقياس أو الميزان الذي يزن به الأمور.أما الإنسان المثقف أو الواعي فهو بطبعه يميل إلى الشك والنقد والبحث عن الدليل .

و يفسر علماء النفس هذه الحالة من الهوس بشخص ما بكونها ذوبان للأنا الفردية بالملهم. حيث يسقط التابع الأنا المثالية الخاصة به على شخصية ما ، فيصبح نقد هذه الشخصية بمثابة كشف لعيوب التابع نفسه، وهو أمر لا تحتمله النفس البشرية الضعيفة. هذه الحالة تجعل العقل يغلق أبواب المنطق ويعتمد فقط على العاطفة الجياشة.

هذه الظاهرة متكررة بصور شتى عبر التاريخ ، كما حدث مع ستالين بالاتحاد السوفيتي، حيث كان الناس يبكون تأثراً بمجرد ذكر اسمه ويعتبرون أي همس ضده خيانة عظمى. وفي العصر الحديث، تبرز ظاهرة التراكرز  أو المعجبين المهووسين بنجوم الفن والرياضة، مثل ما حدث مع فرقة البيتلز في الستينيات حيث كانت الجماهير تصاب بحالات إغماء وهستيريا جماعية. ومن السهل أن نرى في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر حالة من الاستقطاب الحاد حول ترامب حيث يرفض مؤيدوه رؤية أي ثغرة في سلوكه، معتبرين الهجوم عليها هجوماً على قيمهم الوجودية.

ويزخر المجتمع المصري عبر تاريخه الحديث بنماذج تعكس هذه الحالة من الانخداع والهوس الجماعي، والتي غالباً ما تتشكل نتيجة الحاجة النفسية للبطل المخلص أو الرمز العبقري الذي يمتلك مفاتيح الحلول السحرية. من أبرز هذه النماذج في التاريخ المعاصر كانت ظاهرة شركات توظيف الأموال في الثمانينيات، حيث أحاطت الجماهير شخصيات مثل أحمد الريان بهالة من القداسة والتبجيل، ليس فقط لنجاحه المالي، بل لصبغ نشاطه بصبغة دينية وأخلاقية جعلت الناس يودعون مدخرات عمرهم لديه دون أدنى ضمانات منطقية. وحين بدأت بوادر الأزمة، دافع المحبون عن رمزهم  متحصنين بفكرة المؤامرة التى حيكت له من أعداء النجاح، وهو ما يعكس كيف يتحول الهوس بشخص إلى غطاء يحجب الرؤية عن الحقائق الموضوعية.

إنه وجه آخر للإيمان بالدجالين "والهجاصين"، وكذلك أصحاب الطرق التى تعتنق البدع الدينية وكيف أن أتباعهم يدافعون عنهم بعصبية تصل إلى حد الاشتباك مع من يحاول فضح دجلهم. هذا التعلق لا ينبع من قناعة عقلية بل من فقدان القدوة الحقيقية .

وتتخذ حالة الهوس الجماعي منحى أكثر خطورة حين تتحول من مجرد إعجاب عاطفي إلى ميليشيات إلكترونية وفكرية تمارس إرهاباً معنوياً منظماً ضد كل من يجرؤ على ممارسة حقه في النقد أو التفنيد. هؤلاء الذين سلموا عقولهم للرمز لا يكتفون بالدفاع، بل يشنون حملات شيطنة واسعة، حيث يتم تصنيف صاحب الرأي المخالف  فوراً كمتآمر ، مما يخلق بيئة مسمومة تطرد المنطق وتستبدله بلغة التهديد والإقصاء.وتتبلور خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على تجميد حركة العقل داخل المجتمع، حيث يخشى أصحاب الرأي الموضوعي من الصدام مع تلك الجماعة المفتونة التي لا تجيد لغة الحوار، بل تجيد فقط فنون القمع الفكري، مما يجعل المجتمع رهينة لحالة من الهوس التي تدمر قيم الاحترام المتبادل وحرية الاختيار.