بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أسماء المدينة المنورة في القرآن الكريم والسنة النبوية

المسجد النبوي في
المسجد النبوي في المدينة المنورة

تعد المدينة المنورة قلب الإسلام النابض ومأْرِز الإيمان، وقد شرفها الله بأسماء عديدة وفضائل جليلة جعلتها محط أنظار المسلمين وملاذ قلوبهم، كما أنها البوصلةُ الأخلاقية التي لا تُخطئ الطريق، فمن أوى إلى جنابها فقد آوى إلى ركنٍ شديدٍ من القبول، فاجعلوا من حبها زادًا لأرواحكم، ومن أدبِ ساكنها - صلى الله عليه وسلم - منهجًا لحياتكم، لتظلوا في كنف الأمان النبوي الذي لا يزول.


أسماء المدينة المنورة في القرآن والسنة

لقد تعددت أسماء المدينة في النصوص الصحيحة، وكل اسم منها يحمل في طياته شرفًا ومكانة:

- المَدِينَة

وهو أشهر أسمائها، أُطلق عليها بعد الهجرة، وقد خلد القرآن الكريم هذا الاسم في مواضعَ شريفة، ليربط بين الأرض وبين الساكنين فيها في أرفع صور الوفاء، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فكانت الآية صريحة في وجوب المصاحبة الروحية والبدنية للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحِمى المقدس[راجع، الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار هجر للنشر والتوزيع - القاهرة، ط١، (١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م)، ١٢ / ١٠٤].

- طَيْبَة وطَابَة

لقد أبى سيد الخلق الطيب المطيب - صلى الله عليه وسلم - بقاء اسم يثرب لما فيه من ظلال الثَّرْب (وهو الفساد أو اللوم)، فخلع عليها اسما (طيبة وطابة)؛ وهما لغتان تشتبكان في أصل الطيب فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ» [مسلم، الصحيح، كتاب الفتن، رقم ٢٩٤٢].

وعن أبي حُمَيد - رضي الله عنه - قال: أقبلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حتى أشرفنا على المدينة، فقال: «هَذِهِ طَابَةُ» [البخاري، الصحيح، رقم ١٤٨١، مسلم، الصحيح، رقم ١٣٩٢].

"والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل: من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها...أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها، ويجد لطيبها أقوى رائحة، ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب" [ ابن حجر: فتح الباري،٤/٨٩]، وفي هذا النداء النبوي إعلانٌ بأن هذه البقعة أصبحت مقياسًا للطهارة، لا تقبل في جوفها إلا طيبًا، فاستحالت ببركة مجاورته - صلى الله عليه وسلم - إلى روضةٍ تنضح بالعطر والسكينة.

- الدَّار والإِيمَان

لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ﴾ [الحشر: ٩]، قال الإمام الطبري: "اتخذوا المدينة مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فابتنوها منازل"، وقال الرازي: "سميت بالإيمان؛ لأن فيها ظهر الإيمان وقوي" [تفسير الطبري ٢٣/٢٨٢، ومفاتيح الغيب للرازي ٢٩/٥٠٨].

لقد سماها الحق سبحانه في كتابه الدار والإيمان، ليوثق الرباط الأبدي بين المكان وبين حقيقةِ العقيدة، فصارت المدينةُ هي الدار التي تأوي إليها القلوب المؤمنة كلما اغتربت في دروب الحياة.

- الدِّرْع الحَصِينَة

فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةُ» [النسائي، السنن الكبرى، ٧٦٤٧].

وفي هذا الوصفِ سرٌّ بديع؛ فالدرعُ في لغة العرب هي ما يُلبس ليقيَ الجسد من غوائل الأعداء، والمدينةُ بصيغتها النبوية هي الدرعُ التي صانت بيضة الإسلام في مهدها، وهي الحصنُ الذي تنكسرُ على أعتابه كلُّ إرادةِ سوءٍ تتربصُ بالحق، إنها الحصينة بتوفيق الله وحراسة ملائكته، وبأنفاس صاحب الروضة - صلى الله عليه وسلم - التي جعلت من ترابها سُورًا معنويًا يمنحُ السكينة لكل من آوى إليها، فمن دخلها فقد استمسك بالعروة الوثقى ودخل في كنفِ الأمان النبوي.

وللمدينة أسماء غير ما ذكر، حتى بلغ بها بعض العلماء إلى أربعين اسمًا، وفي هذا التعدد سرٌّ باهر؛ فكلُّ اسمٍ هو نافذةٌ تطلُّ منها على كمالٍ من كمالاتها.

لقد سماها حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة أسماء، جمعت بين النور والجلال، فكانت (المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمنيرة)؛ دلالةً على سريان الضياء النبوي في ذراتها.

ومن عجيب أسمائها: (الجابرة، والمجبورة)؛ لأنها تجبرُ كسر القلوب وتشدُّ أزر الضعفاء، و(المحبَّبَة، والمحبوبة) لتعلقِ القلوبِ الوالهة بساكنها - صلى الله عليه وسلم -[راجع: ابن حجر: فتح الباري،٤/٨٩].

إنَّ هذا التعدد في الأسماء هو تعددٌ في المشاهد؛ فمن دخلها تائبًا رآها المطيِّبة، ومن دخلها منكسرًا رآها الجابرة، ومن دخلها مُحبًا رآها المحبوبة، وهي في كل أحوالها منيرةٌ بنور صاحبها - صلى الله عليه وسلم -.