بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ياسر شورى يكتب : الحلوانى اللي بنى مصر.. لماذا فرح المصريون "بالمونوريل "

ياسر شورى رئيس تحرير
ياسر شورى رئيس تحرير بوابة الوفد

 


لم يكن احتفاء المصريين بتشغيل مونوريل القاهرة الكبرى مجرد فرحة بوسيلة مواصلات جديدة، بل كان تعبيرا نفسيا وثقافيا أعمق بكثير؛ فرحة شعب يرى في كل مشروع حديث وعدا بالخروج من الزحام والفوضى والتراجع، ودليلا على أن الدولة ما زالت قادرة على صناعة صورة “المستقبل”. ولهذا لم يكن غريبا أن تعود إلى الواجهة أغنية اللي بنى مصر بجملتها الشهيرة “كان في الأصل حلواني”، لأن الأغنية نفسها تختزن وجدانا مصريا قديما يحتفي بفكرة البناء والمهارة والجمال والحضارة.


بل ومأ خوذة من الموروث الشعبي " واللي بنى مصر كان في الاصل حلوانى" لها قصة تستحق ان تروى :
الحلوانى المقصود هنا هو جوهر الصقلى قائد جيوش الخلافة الفاطمية  .. واضع حجر اساس القاهرة ..وكان ذلك القائد العبقري فاتح مصر وبانى القاهرة في الاصل يعمل حلوانيآ في مدينة صقلية الايطالية قبل ان ينضم الي جيوش الدولة الفاطمية في المغرب ويتحول بعد ذلك الي قائد جيوش الخليفة المعز لدين الله الفاطمى 
وبعد بناء القاهرة عرف المصريون قصة ذلك الحلوانى بعد ان رأوا جمال ماصنعه ومن يومها اطلق المثل المصري "اللي بنى مصر كان في الاصل حلوانى " ثم التقطه مؤلف اغانى مسلسل بوابة الحلوانى ليضعه في تتر المسلسل الشهير ..
اذآ استدعاء الاغنية مع الاحتفال "بالمونوريل" له اسبابه النفسية والثقافية وليس وليد الصدفة 
المصريون تاريخيا ليسوا شعبا يعشق السياسة بقدر ما يعشق “العمران”. فمنذ بناء الأهرامات وحتى شق قناة السويس وإنشاء مترو الأنفاق والكباري والمدن الجديدة، ارتبطت هيبة الدولة في الوعي الشعبي بقدرتها على التشييد والتنظيم وإبهار العين. المصري قد يغضب من الظروف الاقتصادية، لكنه يتوقف طويلا أمام مشروع يشعره بأن بلده “تشبه الدول الكبرى”. هنا تحديدا تكمن رمزية المونوريل؛ فهو ليس مجرد قطار معلق، بل صورة بصرية للحداثة، أشبه بما يراه المصري في أفلام العواصم العالمية.
ولهذا كان التفاعل الشعبي مع المونوريل عاطفيا ولافتا؛ فالمصريون لديهم علاقة خاصة جدا بفكرة “التحضر”. إنهم يقدسون النظام والمدنية الحديثة حتى لو اشتكوا أحيانا من تكلفتها أو صعوبتها. فحين يرى المواطن قطارا معلقا يسير فوق العاصمة، يشعر أن بلده تتحرك إلى زمن جديد، وأن القاهرة لم تعد فقط مدينة التاريخ القديم، بل تحاول أيضا أن تكون مدينة المستقبل.


الأغنية التي ترددت مع الحدث ليست تفصيلا عابرا. فاختيار “اللي بنى مصر” يعكس عقلا جمعيا يرى أن البناء فعل وطني يكاد يوازي الانتصارات الكبرى. المصري بطبيعته ينجذب لمن “يعمر” أكثر ممن “يهدم”، ويحترم من يترك أثرا ماديا ملموسا؛ كوبري، طريق، قطار، مدينة، أو حتى واجهة حضارية جديدة. لذلك تتحول مشروعات البنية التحتية في مصر غالبا إلى أحداث وجدانية وليست إدارية فقط.
كما أن الاحتفاء بالمونوريل كشف جانبا مهما في الثقافة المصرية المعاصرة، وهو أن المصريين رغم كل الضغوط الاقتصادية ما زالوا يملكون قابلية عالية للحلم الجماعي. فمشاهد التصوير والاحتفال والتداول الواسع على مواقع التواصل لم تكن مرتبطة فقط بالمواصلات، بل بفكرة أن “مصر تدخل نادي الدول الحديثة”. وهذه النقطة بالذات تمثل حساسية خاصة لدى المصريين؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم أصحاب حضارة قديمة تستحق أن تنعكس على حاضر حديث أيضا.
ومن اللافت أن المصري حين يحتفل بالحداثة لا يتخلى عن روحه الشعبية، بل يمزج بين الاثنين. لذلك اجتمع المونوريل، بوصفه رمزا تكنولوجيًا متقدما، مع أغنية شعبية قديمة خرجت من قلب الوجدان المصري. هذا المزج يكشف طبيعة الشخصية المصرية نفسها؛ شخصية تريد أن تدخل المستقبل لكن دون أن تفقد ذاكرتها أو حسها الشعبي.
وفي العمق، فإن تقديس المصريين للحضارة ليس أمرا طارئا، بل جزء من تكوينهم التاريخي. المصري نشأ في حضارة مركزية ترى أن النظام والبناء والهندسة علامات قوة واستقرار. ولذلك فإن أي مشروع ضخم يعيد تنشيط هذا الشعور الدفين بالفخر الحضاري، حتى لو اختلف الناس بعد ذلك حول الجدوى الاقتصادية أو الأولويات.
لهذا لم تكن فرحة المونوريل مجرد احتفال بوسيلة نقل، بل كانت لحظة رمزية قال فيها المصريون لأنفسهم: نحن ما زلنا قادرين على اللحاق بالعصر، وما زالت لدينا شهية للحضارة، وما زلنا نرى في البناء لغة وطنية يفهمها الجميع مهما اختلفت آراؤهم.