سوق سوداء للتعليم
موسم الامتحانات يتحول إلى «قهر» لملايين الأسر
أولياء الأمور: دروس ما قبل الامتحان تأتى على حساب الطعام والشراب
اقتصادى: تحولت إلى اقتصاد موازٍ يستنزف الدخول والمدخرات
تربوى: المدرسة فقدت دورها والمناهج تتجاوز قدرات الطلاب
فى الوقت الذى تستعد فيه وزارة التربية والتعليم لامتحانات نهاية العام الدراسى، تبدأ داخل البيوت استعدادات أخرى لكنها أكثر قسوة، فالأمر لم يعد قاصرا على توفير الجو المناسب للأبناء لمراجعة دروسهم، ولكن هناك حسابات أخرى لا تنتهى، رواتب محدودة فى مقابل متطلبات لا تنتهى، ودروس مضاعفة تقدمها مافيا الدروس الخصوصية، وعلى ولى الأمر الرضوخ ودفع «المعلوم» حتى لو على حساب متطلبات أخرى، حتى لا يكون مقصرا فى حق تعليم أبنائه.
هذا المشهد يتكرر كل عام ويتضخم عامًا بعد آخر، فالتعليم لم يعد مجرد خدمة تقدمها المدرسة، بل تحول إلى منظومة موازية كاملة الأركان، تمتد خارجها وتفرض نفسها بقوة الواقع، دروس خصوصية، منصات رقمية، مراجعات أون لاين، وأكواد تعليمية تُباع لكل مادة، جميعها تحولت إلى محطات إجبارية فى رحلة الطالب، وليست اختيارات يمكن الاستغناء عنها.
ومع هذا التحول، لم يعد الكتاب المدرسى هو المرجع الأساسى، ولا الفصل الدراسى هو المساحة الرئيسية للتعلم، بل انتقل مركز الثقل إلى خارج أسوار المدرسة، حيث يتحكم «السوق» فى إيقاع العملية التعليمية، وفقًا لمنطق العرض والطلب، لا وفقًا لاعتبارات العدالة أو تكافؤ الفرص.
ولم تعد الأعباء تتوقف عند ثمن الدرس أو الكتاب، بل امتدت لتشمل اشتراكات متعددة، وباقات إنترنت تُستهلك بوتيرة متسارعة، لتتحول العملية التعليمية إلى سلسلة من الالتزامات المالية المتلاحقة، التى لا تملك الأسرة رفاهية التوقف عنها، مهما ارتفعت تكلفتها.
وفى ظل هذا الواقع، يجد ولى الأمر نفسه محاصرًا بين خوفه على مستقبل أبنائه، وقدرته المحدودة على الإنفاق، بينما يجد الطالب نفسه عالقًا داخل منظومة تفرض عليه مواكبة مستمرة لمصادر متعددة، لا يملك تجاهلها إذا أراد المنافسة.
هكذا أصبح التعليم أزمة ممتدة تمس بنية المجتمع، وتطرح تساؤلات حادة حول دور المدرسة، وحدود الرقابة، ومستقبل العدالة التعليمية، فى ظل اتساع فجوة الفرص بين من يملك القدرة على الدفع، ومن لا يملك، خاصة أن هذه الدروس تستنزف ما يقرب من 247 مليار جنيه سنويا من جيوب المصريين، وفقا لبعض التقديرات.
فاتورة التعليم مفتوحة
تعكس شهادات أولياء الأمور حجم الضغوط اليومية التى تواجهها الأسر، فى ظل تعدد مصادر الإنفاق المرتبطة بتعليم الأبناء، وتحولها إلى التزام مستمر لا يمكن تأجيله أو تقليصه. وتقول إحدى الأمهات إن الدروس الخصوصية تنقسم اليوم بين «الأكواد» والمنصات التعليمية، إلى جانب شراء الكتب الخارجية، مضيفة: «كل مادة بقى ليها مصاريف لوحدها.. ومفيش رقم ثابت نقدر نمشى عليه».
وتوضح ولية أمر أخرى، أن العبء لم يعد قاصرا على المحتوى التعليمى، بل امتد إلى تكلفة الإنترنت، قائلة: «بقينا بندفع فى كل حاجة، فى الكود، وفى النت، وبنضطر نشحن باقات زيادة عشان الولاد يقدروا يتابعوا الحصص».
ويؤكد أحد أولياء الأمور، أن اللجوء إلى هذه الوسائل لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضتها طبيعة النظام التعليمى، فى ظل صعوبة المناهج وضعف الاستفادة من المدرسة، مضيفًا: «إحنا مش بنجرى ورا الدروس بمزاجنا إحنا مضطرين عشان ولادنا ينجحوا».
كما يشير آخرون إلى أن تعدد المنصات واختلاف طرق الشرح يدفع الطلاب للاشتراك فى أكثر من مصدر للمادة الواحدة، ما يضاعف الأعباء المالية دون ضمان حقيقى لتحسن المستوى، فى ظل قلق مستمر بشأن القدرة على الاستمرار فى تغطية هذه التكاليف.
الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس" width="576" height="576">خلل المنظومة التعليمية
وتعليقا على هذا يقول الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، إن ما يحدث حاليًا فى ملف الدروس الخصوصية والمراجعات الإلكترونية، بما فيها أزمة «أكواد الثانوية العامة»، يعكس خللًا عميقًا داخل المنظومة التعليمية، مؤكدًا أن الدولة على دراية بما يجرى، وأن وزارة التربية والتعليم هى الجهة المنوطة بالتصدى لهذه الظواهر.
ويضيف أن إقبال أولياء الأمور على الحصص «الأون لاين» يرجع إلى عاملين رئيسيين، أولهما أن أسعارها فى الغالب أقل بكثير من الدروس الخصوصية التقليدية، ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا نسبيًا، أما العامل الثانى فهو اضطرار ولى الأمر إلى اللجوء للدروس من الأساس، نتيجة فقدان المدرسة لدورها الحقيقى فى تقديم تعليم فعّال.
ويؤكد «عبدالعزيز» أن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى طبيعة المناهج الدراسية، التى وصفها بأنها كثيفة وصعبة، وتتجاوز فى كثير من الأحيان قدرات الطلاب، ما يدفعهم للشعور بالعجز عن استيعابها دون دعم خارجى. ويشير إلى أن الطالب لا يلجأ إلى الدروس حبًا فيها، بل لأنه لا يجد بديلًا حقيقيًا داخل المدرسة، رغم ما يُثار حول عودة الانضباط المدرسى، معتبرًا أن ذلك لا يتجاوز كونه «شو إعلامى»، لأن إجبار الطالب على الحضور من خلال الخوف من الغياب لا يخلق لديه دافعًا حقيقيًا للتعلم أو الاستفادة.
ويصف هذا التوجه بأنه «مغالطة كبيرة»، موضحًا أن استعادة دور المدرسة لا يتحقق بالإجراءات الشكلية، بل من خلال تقديم محتوى تعليمى جاذب وفعّال. ويرى أن الحل يبدأ بإعادة المدرسة إلى دورها الطبيعى، مع البحث عن بدائل حقيقية للدروس الخصوصية، إلى جانب إعادة النظر بشكل جذرى فى المناهج التعليمية.
ويشدد، بحكم خبرته فى العمل مع الوزارة والمشاركة فى إعداد المناهج، على أن هناك «تخبطًا شديدًا» فى بنائها، مؤكدًا أن هذا التخبط أدى إلى فجوة واضحة بين مستوى المحتوى وقدرات الطلاب، ما يستدعى -من وجهة نظره- مراجعة شاملة للقائمين على وضع هذه المناهج، وإعادة برمجتها بما يتناسب مع الواقع التعليمى.
ويتابع أن الأزمة تزداد فى ظل غياب التخطيط طويل المدى، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الطلاب بعد التخرج، ويتساءل: «إلى أين يذهب هؤلاء الطلاب بعد التعليم؟»، مؤكدًا أن غياب رؤية واضحة ينعكس سلبًا على تصميم العملية التعليمية بأكملها.
ويرى «عبدالعزيز» أن ولى الأمر أصبح فى موقف صعب، إذ يسعى فقط إلى نجاح ابنه فى ظل منظومة لا تضمن له تعلّمًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الطلاب، حتى بعد وصولهم إلى مراحل تعليمية متقدمة، يفتقدون إلى أساسيات المعرفة، وهو ما يعكس ضعف المخرجات التعليمية.
وفيما يتعلق بالجانب النفسى، يحذر من الضغوط الكبيرة التى يتعرض لها الطلاب، موصيًا أولياء الأمور بضرورة التخفيف عن أبنائهم، لأن المناهج الحالية بحسب وصفه تفوق قدراتهم العقلية، ما قد يدفعهم إلى الإحباط أو الاكتئاب
أما عن «أكواد الثانوية العامة»، فيؤكد أنها تحولت إلى «تجارة» واستغلال واضح، حيث أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية موازية تسيطر عليها ما وصفه بـ«مافيا الدروس الخصوصية»، مشيرًا إلى أن الطالب وولى الأمر أصبحا فريسة لهذه المنظومة فى ظل غياب البدائل.
ويضيف أن خطورة الأمر تضاعفت مع دخول عناصر غير متخصصة إلى هذا المجال، منتقدا بعض المقترحات البرلمانية التى تدعو إلى تقنين مراكز الدروس الخصوصية، وهو ما وصفه بالـ«مصيبة الأكبر»، لأنه يشرع وضعًا خاطئًا بدلًا من معالجته، مؤكدًا أن مناقشة قضايا التعليم يجب أن تترك للمتخصصين، وليس لغير ذوى الخبرة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الأزمة كبيرة ومعقدة، وأن الحل الحقيقى يكمن فى إعادة بناء المنظومة التعليمية من جذورها، بدءًا من تطوير المناهج، واستعادة دور المدرسة، ووضع خطة قومية واضحة تربط التعليم بسوق العمل، بدلًا من الاكتفاء بحلول شكلية مثل المجموعات المدرسية، التى يرى أنها تمثل اعترافًا ضمنيًا بفشل النظام التعليمى فى أداء دوره الأساسى.
الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى " width="610" height="746">استنزاف الدخول
ومن الناحية الاقتصادية يرى الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى والمحاضر بالجامعات الخاصة والدولية، أن ظاهرة الدروس الخصوصية فى مصر لم تعد مجرد ممارسة تعليمية، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية سلبية تمثل أحد أبرز أشكال الاقتصاد الموازى غير الرسمى.
ويشير إلى أن نشأة هذه الظاهرة تعود بالأساس إلى تراجع الدور الفعلى للمدرسة، وضعف مستوى عدد كبير من المعلمين داخل المنظومة التعليمية، إلى جانب قصور الكتاب المدرسى الرسمى، وهو ما دفع الطلاب وأولياء الأمور إلى البحث عن بدائل خارج الإطار المدرسى، فظهرت الدروس الخصوصية كحل اضطرارى، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى سوق اقتصادية قائمة بذاتها.
ويضيف «سالم» أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط فى انتشارها، بل فى آثارها الاقتصادية العميقة على الأسر المصرية، حيث تؤدى إلى استنزاف الدخول بشكل مستمر، خاصة لدى الأسر التى لديها أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة. ويوضح أن الإنفاق على الدروس الخصوصية يمثل المرحلة الأولى من الضغط المالى، حيث يتم توجيه جزء كبير من دخل الأسرة لتغطية هذه التكاليف.
ويتابع أنه فى حال عدم كفاية الدخل، تلجأ الأسر إلى المرحلة الثانية، وهى «تجريف المدخرات»، من خلال استخدام الودائع البنكية، أو مدخرات دفاتر التوفير، أو حتى بيع الذهب، فضلًا عن اللجوء إلى الاستدانة من الأقارب أو الاشتراك فى «الجمعيات» كآلية شعبية لتدبير السيولة، ما يعكس حجم الضغط الاقتصادى الناتج عن هذه الظاهرة.
ويستعرض «سالم» تطور الدروس الخصوصية عبر الزمن، موضحًا أنها بدأت فى شكل دروس منزلية فردية، ثم تطورت إلى مجموعات داخل المنازل، قبل أن تنتقل إلى المراكز التعليمية «السناتر»، وصولًا إلى المرحلة الأحدث المرتبطة بالتطور التكنولوجى، حيث انتشرت الدروس عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى، وظهرت أنظمة «الأكواد» التعليمية لكل مادة، وهو ما ساهم فى اتساع السوق بشكل غير مسبوق.
ويؤكد أن هذا القطاع يشهد نموًا مستمرًا، ويُعد من أكبر قطاعات الاقتصاد غير الرسمى، حيث يخضع بشكل كبير لقواعد العرض والطلب دون رقابة أو تنظيم، خاصة مع بروز عدد من المعلمين الذين اكتسبوا شهرة واسعة، ما منحهم القدرة على تحديد الأسعار بشكل منفرد.
وفيما يتعلق بالتكلفة، يشير «سالم» إلى أن أسعار الدروس الخصوصية فى المنازل تتراوح فى عام 2026 بين 50 و500 جنيه للحصة الواحدة، وفقًا لعدة عوامل، منها المادة الدراسية، وخبرة المعلم، وعدد الطلاب، والموقع الجغرافى. أما فى المراكز التعليمية، فتتراوح تكلفة الحصة بنظام الحجز بالمقعد بين 25 و150 جنيهًا، مع وجود قاعات قد تستوعب مئات الطلاب، بل وتصل إلى نحو ألف طالب خلال المراجعات النهائية.
ولا يقتصر الإنفاق -بحسب «سالم»- على الحصص فقط، بل يمتد إلى «الملازم الدراسية» أو الكتب الخارجية التى يعدها بعض المعلمين، والتى تتراوح أسعارها بين 50 و500 جنيه، وفقًا لطبيعة المادة واسم المعلم، ما يضيف عبءً ماليًا إضافيًا على الأسر.
ويحذر من أن استمرار هذا النمط من الإنفاق يؤدى إلى انحصار الموارد المالية للأسر فى بند واحد هو التعليم، على حساب احتياجات أساسية أخرى، ما يمثل ضررًا بالغًا على الاستقرار الاقتصادى للأسرة، وينعكس كذلك على الاقتصاد الرسمى للدولة. مشيرا إلى أن التوسع فى التعليم الرقمى، عبر الأكواد والمحاضرات الأون لاين، ساهم فى زيادة انتشار الظاهرة واتساع نطاقها، بدلًا من الحد منها.
ويختتم «سالم» بالتأكيد على أن هذه المنظومة، فى صورتها الحالية، لا تحقق تكافؤ الفرص بين الطلاب، حيث يصبح الوصول إلى تعليم أفضل مرتبطًا بالقدرة المادية، فى ظل تراجع دور المدرسة، واستمرار الاعتماد على حلول موازية خارج الإطار الرسمى.