أسرار الحج الروحية.. كيف يجدد الحج إيمان المسلم؟
في كل عام، يفد المسلمون من شتى بقاع الأرض إلى بيت الله الحرام، تلبية لنداء إبراهيم الخليل – عليه السلام – في قوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27]، واستجابة لأمر الله بالحج.
غير أن الحج، مع ما فيه من مشقة بدنية وبذل مالي، ليس مناسك تؤدى فحسب، بل هو رحلة روحية تحمل في طياتها أسرارا تغير الإنسان من الداخل، وتجدد إيمانه، ومن ذلك:
أولا: التطهير من الذنوب: من أعظم أسرار الحج أنه سبب لمغفرة الذنوب جميعا، بل وتجديد النقاء القلبي؛ فلا ريب أن الذنوب تثقل الأرواح وتكدر صفوها، لذا يأتي الحج كل عام كميلاد جديد يخرج فيه المؤمن من ضيق الذنب إلى سعة التوبة، ومن ثقل المعصية إلى خفة الطاعة، بعد أن كفرت خطاياه، وعاد كيوم ولدته أمه، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه). فالحاج الذي يحفظ جوارحه ويخلص النية يخرج من ذنوبه كالطفل الوليد، وهذا لا يحصل إلا بصدق التوبة، والندم، والعزم على عدم العودة.
ثانيا: التوحيد الحي: إن الحاج يعيش التوحيد لا كفكرة، بل كواقع محسوس؛ فكل مناسك الحج تجسد معنى واحدا: «لا إله إلا الله». من التلبية التي تهتف بها الألسن، إلى الطواف حول البيت، إلى السعي بين الصفا والمروة استذكارا لروح التسليم عند هاجر – عليها السلام –.
ثالثا: الوقوف بعرفة: حين يقف المسلم بعرفة، في صحراء مكشوفة تحت سماء الله، وهو في أذل حالاته، ضارعا، دامع العينين، مستغفرا، متوسلا، ينتابه شعور الفقر المدقع إلى الله، فيلجأ بكل حواسه ووجدانه؛ هنا يجود الله عليه بمغفرته ورضوانه. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفات، الحج عرفات، الحج عرفات، أيام منى ثلاث {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه}، ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج» (سنن الترمذي: 2975، وقال: حسن صحيح)، فهو ركن الحج الأعظم؛ لدلالته على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله، معرض عما سواه.
رابعا: رمي الجمار: قد يظن البعض أن رمي الجمار مجرد رمي لحجارة صغيرة على أعمدة، ولكنه في الحقيقة تذكير بموقف سيدنا إبراهيم – عليه السلام – حين استجاب لأمر الله بذبح ولده – عليه السلام –، ثم فداه الله بالذبح العظيم، وهو كذلك إعلان حرب على الشيطان؛ فكل جمرة تمثل شهوة أو شبهة أو هوى، وكل حصاة تخرج صفة ذميمة من القلب، وتزرع مكانها صفة حميدة.
ختاما: من لم يحدث الحج في سلوكه تطهيرا، وفي أخلاقه تغييرا، فما زاد على أن قطع الفيافي وجاب القفار؛ أما من نفذ سر الحج إلى سويداء قلبه، فقد ولد من جديد.
بقلم الدكتور عيد حسن - أستاذ الحديث الشريف وعلومه يكلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر