بنى سويف تقود ثورة الإلكترونيات فى الصعيد
100 مليون دولار استثمارات عالمية.. و6 ملايين هاتف محمول سنوياً
عاصمة التكنولوجيا الجديدة تودع الاستيراد وتستهدف التصدير لأوروبا وأفريقيا
«كريتيفا» مفرخة مصرية.. والشباب يقتنصون فرص العمل الحر بالعملة الصعبة
محافظة بنى سويف تعد اليوم نموذجاً حياً للدور الذى تلعبه التكنولوجيا فى إعادة رسم الخارطة الاقتصادية والاجتماعية لصعيد مصر، حيث لم تعد المحافظة مجرد ظهير زراعى أو سكانى، بل تحولت إلى مركز استراتيجى يجمع بين الصناعات الثقيلة للإلكترونيات وبين مراكز الإبداع الرقمى وبناء القدرات البشرية.
وتأتى التحركات الحكومية الأخيرة لتعكس رؤية متكاملة تهدف إلى توطين التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلى، بما يسهم فى خفض الفاتورة الاستيرادية وفتح أسواق تصديرية جديدة، بالتوازى مع رفع كفاءة الخدمات الحكومية والبريدية المقدمة للمواطنين فى المراكز والقرى، لتمثل هذه الجهود حجر الزاوية فى بناء مجتمع رقمى متكامل ينطلق من قلب الصعيد إلى آفاق العالمية.
شراكة استراتيجية مع الشركات العالمية وتوطين صناعة المستقبل
بدأت ملامح التحول التكنولوجى فى بنى سويف تأخذ طابعاً عالمياً مع التوسع الملحوظ فى مجمع مصانع شركة سامسونج، والذى يعد إحدى أهم قلاع صناعة الإلكترونيات فى المنطقة، إن استثمارات الشركة التى تقترب من 100 مليون دولار على مساحة 9000 متر مربع، ليست مجرد أرقام صماء، بل هى تعبير عن ثقة المؤسسات الدولية فى مناخ الاستثمار المصرى وفى كفاءة العامل الصعيدى الذى أثبت قدرة فائقة على التعامل مع أعقد خطوط الإنتاج.
لقد انتقلت هذه الشراكة من مرحلة تجميع الأجهزة إلى مرحلة التصنيع الكامل، حيث شهدت السنوات الأخيرة قفزات نوعية فى معدلات الإنتاج، فبعد النجاح فى إنتاج نحو 700000 جهاز تابلت تعليمى فى عام 2022، انطلقت الشركة نحو آفاق أوسع بتدشين مصنع جديد متخصص فى الهواتف المحمولة والحواسب اللوحية بسعة إنتاجية تصل إلى 6 ملايين وحدة سنوياً، واللافت للنظر هو التزامن فى طرح أحدث فئات الهواتف العالمية فى السوق المصرية فى نفس وقت طرحها عالمياً، ما يضع مصر فى مرتبة متقدمة على خارطة التوزيع والتصنيع الدولى.
هذه النجاحات الصناعية توفر حالياً نحو 1500 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المحافظة، وهى فرص عمل تتطلب مهارات تقنية عالية، مما يساهم فى نقل المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة للشباب فى الصعيد، وتستهدف الدولة عبر مبادرة مصر تصنع الإلكترونيات الوصول بنسبة المكون المحلى والتغطية الاستهلاكية إلى 90% بحلول عام 2027، وهو طموح يعكس الإرادة السياسية لتحويل مصر إلى مركز إقليمى رائد فى هذه الصناعة الواعدة.
كريتيفا بنى سويف والاستثمار فى العقول
لا يكتمل مشهد التحول الرقمى دون وجود استثمار حقيقى فى العنصر البشرى، وهنا يبرز دور مركز إبداع مصر الرقمية كريتيفا فى المنطقة التكنولوجية ببنى سويف، هذا المركز يمثل الركيزة الأساسية لدعم ريادة الأعمال وحاضنات الشركات الناشئة فى الصعيد، إن النماذج التى خرجت من هذا المركز تعكس مدى الابتكار الذى يتمتع به الشباب، حيث شملت مشروعاتهم حلولاً برمجية متطورة فى مجالات الذكاء الاصطناعى، والزراعة الذكية، وإدارة البيانات الطبية، وتحويل المخلفات إلى طاقة.
لغة الأرقام داخل المركز تشير إلى نجاحات ملموسة، حيث تم احتضان ودعم 8 شركات تكنولوجية ناشئة، نجحت 5 منها بالفعل فى جذب تمويلات واستثمارات تجاوزت 7 ملايين جنيه، مع تحقيق إيرادات سنوية تتخطى 25 مليون جنيه، هذا الأثر الاقتصادى يمتد ليشمل تدريب نحو 2800 شاب وفتاة على المهارات التقنية وريادة الأعمال، بالإضافة إلى تأهيل أكثر من 1300 من المهنيين المستقلين الذين باتوا ينافسون فى سوق العمل الحر العالمى ويحققون دخلاً بالعملة الصعبة وهم فى منازلهم بمحافظة بنى سويف.
مذكرات تفاهم ترسم ملامح التطوير المؤسسى والتنمية المجتمعية
وفى إطار تعزيز التعاون بين الحكومة المركزية والإدارة المحلية، جاء توقيع مذكرتى تفاهم ليمثل خارطة طريق واضحة للمستقبل الرقمى للمحافظة، المذكرة الأولى تركز على التطوير المؤسسى الرقمى لديوان عام المحافظة والجهات التابعة لها، بهدف رقمنة الخدمات الحكومية ورفع كفاءة العاملين بالدولة، إن تدريب أكثر من 2000 موظف وحصولهم على شهادات معتمدة يعكس الرغبة فى تقديم خدمة حكومية سريعة وشفافة للمواطن، بعيداً عن البيروقراطية التقليدية.
أما المذكرة الثانية فتستهدف التنمية المجتمعية الرقمية بصبغة إنسانية، حيث تركز على تمكين الفئات الأكثر احتياجاً والأولى بالرعاية، وتستهدف هذه المبادرات تدريب 2000 شاب وفتاة على مهارات البرمجة والذكاء الاصطناعى، وتمكين المرأة الريفية عبر مبادرة قدوة تك، والتى تهدف إلى تدريب صاحبات المشروعات الحرفية على استخدام الذكاء الاصطناعى فى التسويق الرقمى والتجارة الإلكترونية، كما تمتد هذه الجهود لتشمل قرى حياة كريمة فى مركزى ناصر وببا، لضمان وصول مكتسبات التحول الرقمى إلى أبعد نقطة فى المحافظة.
البريد والمصرية للاتصالات.. بنية تحتية حديثة تخدم ملايين المواطنين
شهدت المنظومة الخدمية فى بنى سويف تطوراً جوهرياً، تجسد فى افتتاح وتطوير مكاتب البريد والسنترالات، إن مكتب بريد بنى سويف الرئيسى بعد تطويره لم يعد مجرد مكان لإرسال الخطابات، بل تحول إلى مركز خدمات مالية وحكومية متكامل يخدم نحو 150 ألف نسمة، وتضم منطقة بريد بنى سويف الآن 134 مكتباً، منها 94 مكتباً مطوراً، مجهزة بأحدث الأنظمة التكنولوجية وماكينات الصراف الآلى، مما يسهم بشكل مباشر فى تحقيق الشمول المالى.
وفى قطاع الاتصالات، تلعب السنترالات الحديثة، مثل سنترال شرق النيل دوراً محورياً فى توفير خدمات الإنترنت فائق السرعة لآلاف المشتركين والمدن الصناعية، ما يمثل الشريان الحيوى الذى يغذى المصانع والشركات ومراكز الإبداع بالبيانات اللازمة للتشغيل والنمو.
التكنولوجيا المساعدة بدمج وتمكين ذوى الهمم من المحاور الإنسانية المهمة فى استراتيجية التحول الرقمى ببنى سويف، هو الاهتمام بدمج ذوى الهمم باستخدام التكنولوجيا المساعدة، إن دعم مدرسة النور للمكفوفين وتزويد مدارس التربية الخاصة والدمج بأجهزة الحاسب والبرمجيات المتخصصة، يعكس رؤية الدولة فى أن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة للتمكين وليس للعزل، وقد نجحت هذه الجهود فى تدريب أكثر من 1250 معلماً على كيفية استخدام التكنولوجيا لتيسير العملية التعليمية للطلاب ذوى الإعاقة، مما يضمن لهم فرصاً عادلة فى التعليم والعمل مستقبلاً.
ما تشهده بنى سويف اليوم هو نتاج عمل تراكمى وتنسيق كامل بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبين الأجهزة التنفيذية بالمحافظة، كما أن الوصول إلى نسبة إشغال 100% فى المنطقة التكنولوجية بمدينة بنى سويف الجديدة، وتوفير آلاف فرص العمل المباشرة والتدريبية، يؤكد أن الصعيد يمتلك كافة المقومات ليكون مركزاً عالمياً لصناعة التعهيد وتكنولوجيا المعلومات.
كما أن قصص النجاح التى استعرضها الشباب المبدعون، سواء فى مجالات الأنظمة المدمجة أو الروبوتات أو تحليل البيانات، هى المحرك الحقيقى للتنمية، هؤلاء الشباب الذين حقق بعضهم دخلاً شهرياً يتراوح بين 500 إلى 700 دولار من خلال العمل الحر، هم السفراء الحقيقيون لمصر الرقمية.
