جدل إقليمي حول الموقف الإيراني.. هل هي استراتيجية صمود أم مغامرة محسوبة؟
يثور جدل حول أسباب تمسّك إيران برفض وساطات التهدئة ووقف إطلاق النار، رغم ما يُشار إليه من تفوق عسكري واضح، خاصة في المجال الجوي، لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع حسابات السياسة وضغوط الاقتصاد.
هذا الموقف، الذي تناولته تقارير إعلامية بينها “رويترز”، يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز التفسير التقليدي لموازين القوة، ويطرح فرضيات أعمق تتعلق بطبيعة إدارة الصراع ذاته: هل يعكس الرفض الإيراني مخاطرة غير محسوبة، أم أنه جزء من استراتيجية طويلة المدى تختلف عن منطق الحروب الكلاسيكية التي تُحسم بالتفوق الجوي المباشر؟
التفوق العسكري:
في هذا الإطار، يتجه التحليل إلى التحولات في مفهوم الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا لحسم الصراعات أو فرض تسويات سياسية سريعة، بل باتت القدرة على الصمود وإطالة أمد المواجهة ورفع تكلفتها على الطرف الآخر عنصرًا حاسمًا في إدارة النزاعات. ومن ثم، فإن المشهد الحالي لا يُقرأ فقط من زاوية القوة العسكرية، بل من زاوية القدرة على التحمل وتحويل الحرب إلى أزمة ممتدة متعددة الأبعاد تمتد آثارها إلى الاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي والدولي.
ومن جانبه، قال اللواء مصطفى زكريا، الخبير العسكري، إن تفسير الموقف الإيراني لا يمكن اختزاله في ميزان القوة الجوية التقليدي، رغم الفجوة الواضحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدًا أن رفض طهران لوساطات التهدئة لا يعكس تجاهلًا لمعادلة القوة، بل اعتمادًا على نمط مختلف في إدارة الصراع يقوم على الصمود وتعقيد مسار الحسم بدلًا من المواجهة المباشرة.
وأوضح زكريا أن المقارنة التقليدية بين القدرات الجوية الإيرانية ونظيرتها لدى واشنطن وتل أبيب لا تقدم صورة مكتملة، إذ إن بعض النزاعات لا تُحسم بالتفوق العسكري الخالص، بل بقدرة الطرف الأقل تفوقًا على إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها، بما يمنع الوصول إلى حسم سياسي سريع.
وأشار إلى أن إيران لا تهدف بالضرورة إلى منع الضربات العسكرية بالكامل، بقدر ما تسعى إلى منع تحولها إلى أداة حسم سياسي سريع، وهو ما يفسر رفضها لمبادرات التهدئة في توقيت تعتبره غير متوازن، كما نقلت تقارير إعلامية بينها “رويترز”.
استراتيجية الصمود بدل التفوق
ويرى زكريا أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على عدة ركائز، أبرزها الاستمرار في الرد عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يحوّل التفوق الجوي المقابل إلى عامل استنزاف طويل الأمد. كما تشير تقارير دولية إلى استمرار القدرة الإنتاجية العسكرية رغم الضربات، بما يعزز هذا النهج.
وأضاف أن العامل الجغرافي يمنح إيران عمقًا استراتيجيًا يساعدها على امتصاص الضربات وإعادة التموضع، ما يجعل فكرة الحسم السريع صعبة دون تدخل بري مباشر، وهو سيناريو معقد سياسيًا وعسكريًا.
كما لفت إلى أن طهران تعمل على توسيع نطاق الصراع خارج ميدان المواجهة المباشرة، عبر التأثير على الممرات البحرية وأسواق الطاقة، بما يحول النزاع إلى أزمة دولية ذات أبعاد اقتصادية، وهو ما يمنحها أدوات ضغط غير تقليدية.
وأكد أن إطالة أمد الصراع تُعد رهانًا على تآكل الإرادة السياسية لدى الخصوم، في ظل ارتفاع التكلفة الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة طويلة، مشيرًا إلى أن القوة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على خوض حرب ممتدة دون آثار داخلية.
البعد الداخلي للقرار
كما أشار إلى أن الاعتبارات الداخلية تلعب دورًا مهمًا في الموقف الإيراني، إذ إن قبول وقف إطلاق نار سريع دون مكاسب واضحة قد يُفسَّر داخليًا كتنازل سياسي، وهو ما تسعى طهران لتجنبه في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
ويخلص زكريا إلى أن المقاربة الإيرانية لا تقوم على السعي لتحقيق نصر عسكري تقليدي، وإنما على منع الخصم من تحقيق نصر سريع وحاسم، عبر استراتيجية تقوم على “الردع بالصمود”، بحيث تصبح الحرب طويلة ومكلفة ومعقدة إلى حد يقلل من جدوى التفوق العسكري الحاسم.