بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تشريح أخطر مشروع قانون قد يغير شكل العالم الرقمي للأبد

الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

في خطوة تعد الأكثر جرأة وشمولية في تاريخ تنظيم التكنولوجيا، قدمت السيناتور الجمهورية مارشا بلاكبيرن مشروع قانون يحدث زلزالاً تشريعياً من المتوقع أن يغير وجه الإنترنت والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

مشروع القانون، الذي أُطلق عليه اسم "TRUMP AMERICA AI Act"، لا يكتفي بوضع أطر تنظيمية جديدة، بل يرسم ملامح عقد اجتماعي جديد بين المواطن الأمريكي وعمالقة وادي السيليكون، مستنداً إلى أربع ركائز أطلقت عليها السيناتور اسم "التاءات الأربع": الأطفال، والمبدعون، والمحافظون، والمجتمعات". يكشف فحص بنود المسودة الممتدة على 291 صفحة عن رؤية متطرفة تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف، لكنها في جوهرها تمثل انزياحاً زلزالياً في ميزان القوى، حيث تسحب البساط التشريعي من تحت أقدام شركات التكنولوجيا لتمنحه للحكومة الفيدرالية والمواطنين، متجاوزة بذلك الجدل التقليدي بين "الحياد التكنولوجي" و"المسؤولية القانونية".

إلغاء "الدرع الواقي"

في قلب العاصفة التشريعية التي يثيرها المشروع، يقع البند الأكثر إثارة للجدل: الإلغاء الكامل للمادة 230 من قانون آداب الاتصالات. هذا البند ليس مجرد تعديل قانوني، بل هو إعلان نهاية الحقبة التي مكنت منصات التواصل الاجتماعي ومطوري الذكاء الاصطناعي من التملص من المسؤولية المدنية عن المحتوى الضار الذي ينشره المستخدمون أو تولده الخوارزميات. هذا التغيير، إن تم إقراره، لن يغير فقط طريقة عمل منصات الذكاء الاصطناعي، بل سيغير شكل الإنترنت بالكامل.

وبالتوازي مع ذلك، يفرض القانون ما يعرف بـ "واجب الرعاية" (Duty of Care)، وهو معيار قانوني يلزم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي ونماذج الدردشة الآلية بممارسة "رعاية معقولة" في التصميم والتشغيل لمنع الأضرار المتوقعة.  وهنا ينتقل "واجب الرعاية" هنا من مجرد مبدأ نظري إلى سلاح قانوني قوي، لأنه يمنح الحق في رفع الدعاوى القضائية عن أضرار واسعة جداً تشمل: الإصابات الجسدية: مثلاً، إذا قدم روبوت محادثة نصائح طبية خطيرة أدت إلى ضرر جسدي.
و الأضرار المادية: مثلاً، إذا تسبب نظام ذكاء اصطناعي يتحكم بمنزل ذكي في حريق.
والوفاة: في الحالات القصوى الناتجة عن تحريض أو معلومات خاطئة قاتلة.
و الضيق النفسي: هذا توسع كبير، حيث يمكن مقاضاة الشركة لمجرد التسبب في أذى نفسي شديد للمستخدم (وهو ما يرتبط بقضايا تحريض القاصرين على الانتحار أو إيذاء النفس التي يستهدفها المشروع).

جبهات القتال الأربع

يتجاوز المشروع فكرة "تحييد" المنصات التقنية إلى فرض حماية استباقية صارمة للفئات التي يعتبرها الأكثر عرضة للخطر. في بند حماية الأطفال، يحظر "قانون GUARD" بشكل قاطع تصميم أو توزيع أي برامج دردشة آلي يمكن أن تحرض القصر على الانتحار، أو إيذاء النفس، أو الانخراط في سلوك جنسي صريح، مع فرض غرامات مالية ضخمة تصل إلى 100,000 دولار عن كل مخالفة.

وعلى جبهة حقوق الملكية الفكرية، يتبنى المشروع موقفاً متشدداً يضع حداً للجدل الدائر حول أخلاقيات تدريب النماذج، حيث ينص صراحة على أن استخدام المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر لتدريب النماذج دون إذن مسبق "لا يعد استخداماً عادلاً". كما يُمكن "قانون TRAIN" أصحاب الحقوق من الحصول على مذكرات إحضار للكشف عن أعمالهم التي استخدمت في التدريب.

أما البند الأكثر تعبيراً عن الخلفية الأيديولوجية للمشروع، فهو ما يعرف بمكافحة "الذكاء الاصطناعي المستيقظ" (Woke AI). في هذا السياق، يفرض القانون عمليات تدقيق سنوية إلزامية من قبل طرف ثالث للأنظمة عالية المخاطر، ليس فقط للكشف عن أي تمييز تقليدي، بل لضمان عدم وجود تمييز ضد "الانتماءات السياسية أو وجهات النظر".

السيادة الوطنية مقابل حقوق الولايات

يجسد هذا المشروع واحدة من أعقد المعارك الدستورية في العصر الرقمي، حيث يهدف إلى خلق معيار وطني موحد يمنع الولايات من سن قوانينها الخاصة التي قد "تعرقل قدرة أمريكا على المنافسة والابتكار في وجه الصين". على الرغم من أن الحزب الجمهوري يدافع تقليدياً عن حقوق الولايات، إلا أن الحجة هنا تتعلق بالأمن القومي، حيث ينص القانون على أن تنظيم "تطوير" الذكاء الاصطناعي هو نشاط عابر للحدود وله تداعيات على السياسة الخارجية.

مستقبل غامض وآمال بتسوية تاريخية

على الرغم من الطموح الهائل للمشروع، إلا أن طريقه ليصبح قانوناً يظل محفوفاً بالتحديات. فهو يواجه رياحاً معاكسة ليس فقط من الديمقراطيين الذين يرون أنه يفتقر إلى حماية كافية للمستهلك، بل أيضاً من بعض الجمهوريين، مما يهدد بإغراقه في مستنقع الاستقطاب الحزبي.
وبينما يرى المؤيدون أنه خط الدفاع الأخير لحماية القيم والمجتمع ، يحذر المنتقدون من أن هذا الكم الهائل من القيود قد يخنق الابتكار ويدفع بالريادة التكنولوجية إلى خارج حدود الولايات المتحدة. المؤكد، في كل الأحوال، أن مشروع قانون "TRUMP AMERICA AI Act" قد نجح في تحقيق هدف واحد على الأقل: وضع جميع الأطراف الفاعلة أمام لحظة حقيقة، مجبراً إياهم على الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن للدولة أن تحمي مواطنيها دون أن تقتل الإوزة التي تبيض ذهباً تكنولوجياً؟.