بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

عميد إعلام الأقصي لـ«الوفد»:

الصحافة فى غزة مهمة انتحارية

بوابة الوفد الإلكترونية

هنا فى غزة، تسقط الحصانات؛ فلا قدسية لجامعة، ولا أمان لخوذة، حيث يقف حامل الكاميرا «شاهدًا وشهيدًا مع وقف التنفيذ»، يدرك بيقين أن عدسته قد تكون هى المبرر الأخير لقصفه، وأن نقل الحقيقة هو الجرم الذى لا يغفره القاتل.

فى هذا السياق الإنسانى المثقل بالتحدى، أجرت «الوفد» حوارًا استثنائيًا مع الدكتور غسان إبراهيم حرب، أستاذ الإذاعة والتلفزيون عميد كلية الإعلام بجامعة الأقصى؛ يحدثنا عن «كتيبة الحالمين»؛ عن جيلٍ من الطلاب اختار دراسة الإعلام وهو يدرك أن «مشروع التخرج» قد يكون «مشروع شهادة».

 

**فى ظل الاحتفاء العالمى باليوم العالمى لحرية الصحافة.. كيف تصفون تلك اللحظة الوجودية التى يتحول فيها الحرم الجامعى من محراب للحقيقة إلى هدف عسكرى مباشر؟

*هى لحظة «اغتيال للمستقبل» قبل أن تكون هدمًا للحجر؛ فأن ترى المكان الذى تبنى فيه عقول الشباب يتحول إلى ركام، يعنى أنك أمام محاولة صريحة لتجهيل المجتمع،

< أمام تحطم البنية التحتية.. هل ما زالت المناهج الورقية صالحة لطلابكم أم أن «أرصفة غزة» هى التى تخط اليوم منهج الإعلام البديل؟

<< المناهج التقليدية التى كانت تُدرس فى القاعات المكيفة وبين الرفوف لم تعد هى المرجع الوحيد، الميدان فى غزة فرض نفسه كمنهجٍ قسرى وأكثر واقعية من أى كتاب أكاديمى، الطالب اليوم يتعلم «أخلاقيات المهنة» وهو يوازن بين نقل خبر استهداف عائلته وبين واجبه المهنى، ويتعلم «التغطية فى الأزمات» بوسائل بدائية تحت القصف.

< كيف تعيدون تعريف الموضوعية والحياد لطلابكم وهم يرون زملاءهم يُستهدفون خلف عدساتهم؟

<< نعلّم طلابنا أن الموضوعية ليست «نقطة منتصف» بين الحق والباطل، بل هى «الانحياز الكامل للحقيقة»، عندما يُستهدف الأستاذ والزميل، يصبح الحياد هنا ضربًا من العدمية الأخلاقية.

الموضوعية فى قاموسنا الآن هى «أمانة الشاهد»؛ أن تلتزم بالدقة المتناهية فى نقل الجريمة، ليس لأنك محايد، بل لأن الحقيقة بحد ذاتها هى أقوى أداة للمظلوم، نحن نرسخ فى عقولهم أن الصحفى الفلسطينى لا ينقل خبرًا فحسب، بل هو «حارس للذاكرة» من المحو.

< سترة الصحافة أصبحت إشارة قتل لا درع حماية.. كيف تُقنعون جيل المستقبل بارتدائها؟

<< سترة الصحافة فى غزة لم تعد مجرد زى مهنى، بل تحولت إلى «كفن معلق مع وقف التنفيذ». نحن لا نبيع الطلاب أوهامًا عن الحماية، بل نضعهم أمام حقيقة المسئولية.

< نجح الصحفيون الشباب فى اختراق الرأى العام العالمى عبر منصات التواصل.. كيف تؤطر جامعة الأقصى هذا النجاح ليصبح استراتيجية وطنية؟

<< إن ما حققه الصحفيون الشباب هو «ثورة فى أدوات الحقيقة»؛ فقد استطاعوا تجاوز حراس البوابة فى الإعلام الدولى التقليدى. دورنا ككلية الإعلام بجامعة الأقصى هو تحويل هذا التأثير اللحظى إلى نهج أكاديمى ونضالى مستدام من خلال صياغة مساقات دراسية تحول «العفوية» إلى «احترافية واعية».

< ما هى دلالة رقم «262» شهيدًا صحفيًا فى ميزان العدل الدولى المائل؟

<< أقرأ رقم 262 شهيدًا من فرسان الحقيقة بدلالاتٍ عميقة تتجاوز لغة الأرقام خاصة حين نضعه فى سياق المقارنة مع حروب عالمية كبرى، إن تجاوز هذا الرقم لضحايا الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام (التى سقط فيها قرابة 69 و63 صحفيًا على التوالى خلال سنوات طويلة) يعنى أننا لسنا أمام أضرار جانبية، بل أمام استهداف وجودى لمنظومة الوعى والدلالة هنا أن الاحتلال لم يعد يكتفى بقتل الفلسطينى، بل يسعى لقتل «الشاهد» ودفن «الرواية».

هذا الرقم هو «وصمة عار» فى جبين المؤسسات الإعلامية الدولية الصامتة، وهو فى الوقت نفسه «وسام دم» على صدر كل طالب وخريج فى كليتنا.

< هل لديكم إحصائية بعدد الشهداء أو المصابين من طلاب وخريجى الإعلام خلال الفترة الأخيرة؟

<< إن المؤشرات الرقمية الحالية تعكس حجم الكارثة التى طالت أسرتنا الصحفية والأكاديمية، وهى إحصائيات مستمرة فى التصاعد حتى تاريخ اليوم.

لدينا إحصائية موثقة باستشهاد 53 طالبًا وطالبة من أبناء كلية الإعلام بجامعة الأقصى منذ بداية العدوان. هؤلاء الشباب كانوا يمثلون نواة المستقبل الإعلامى الفلسطينى.

وثقت التقارير إصابة أكثر من 433 صحفيًا بجروح متفاوتة، بينهم طلاب كانوا يعملون كمصورين أو مراسلين ميدانيين متدربين، كما تعرّض عشرات الخريجين والطلاب للاعتقال خلال تأدية واجبهم الميدانى.

على صعيد الكادر، ارتقى عدد من زملائنا الأكاديميين ضمن حصيلة إجمالية تجاوزت 246 أكاديميًا استُهدفوا فى القطاع، وهو ما يمثل خسارة لسنوات طويلة من الخبرة فى تدريس الإعلام.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء، بل هى استهداف ممنهج لـ«الشاهد» لمنع وصول الحقيقة، إن فقدان 53 طالبًا من كلية واحدة هو جرح غائر فى جسد الأكاديمية الفلسطينية، ويدفعنا لإعادة النظر فى سبل حماية من تبقى من هؤلاء المبدعين.

< هل أصبح اختيار دراسة الإعلام فى غزة مشروع شهادة مؤجل ومهمة بلا ضمانات للنجاة؟

<< أقولها بمرارة: نعم، لقد تحول اختيار دراسة الإعلام فى غزة من طموح مهنى إلى مشروع شهادة مؤجل فعندما يقرر شاب أو شابة الالتحاق بكلية الإعلام، فهو لا يختار مهنة المتاعب فحسب، بل يختار طوعًا أن يكون فى مقدمة الأهداف العسكرية.

< ختامًا دكتور غسان.. كيف تشرح لطلابك أن ثمن الحقيقة قد يكون حياتهم؟

<< الحقيقة أن الطلبة هم من يقدموا لى الشهادات الميدانية من خلال ممارساتهم وكيف يمارسون الموت كل يوم فداء للرواية الصادقة فنحن أمام حالة استثنائية يتحول فيها الطالب إلى أستاذ جامعى ليقدم دروسًا فى الممارسات الإعلامية الأكثر أخلاقية فى التاريخ البشرى.