الحُكم لمن غلب: جغرافيا الصراع على السلطة من قابيل إلى الدولة الحديثة!!
منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، لم تكن السلطة يومًا مسألة أخلاق خالصة، ولا ثمرة إجماع مثالي، بل كانت في جوهرها انعكاسًا مباشرًا للصراع. فمنذ الصدام الأول بين قابيل وهابيل، لم يكن الخلاف على قربان فحسب، بل على الأحقية والهيمنة والبقاء. ومنذ تلك اللحظة، دخلت البشرية مسارًا لم تحِد عنه حتى اليوم: السلطة لا تُمنح، بل تُنتزع.
والتاريخ، لمن يقرأه قراءة جادة، ليس سجل نوايا ولا كتاب مواعظ، بل سجل وقائع تحكمه موازين القوة. فلم يحكم الأصلح دائمًا، بل حكم في الغالب الأقدر على فرض نفسه في لحظة تاريخية معينة.
بعد انقضاء زمن النبوة، دخل المسلمون، كغيرهم من الأمم، طور السياسة، بكل ما يحمله من صراع ومصالح وتحالفات. ومنذ اجتماع السقيفة، لم يكن الخلاف حول جوهر الدين، بل حول مسألة الحكم والقيادة. ثم توالت الأحداث، من مقتل عثمان بن عفان، إلى حروب الجمل وصفين، إلى الصدام بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، في سياق صراع سياسي على الشرعية، سبق بكثير تشكّل الانقسام المذهبي المعروف لاحقًا.
ومع استقرار الحكم لمعاوية بن أبي سفيان، انتقلت الخلافة عمليًا من مفهوم الشورى إلى واقع الدولة الوراثية، حيث أصبحت الجيوش حامية للسلطة أكثر من كونها حارسة للقيم. ولم يكن ذلك استثناءً في التاريخ الإسلامي، بل تعبيرًا عن منطق الدولة حين تخرج من المثال وتدخل حسابات البقاء.
ويعبّر عن ذلك ما نُقل عن معاوية حين لامه أحد أقاربه على ما جرى من صراعات داخل البيت الواحد، فقال إن الأمر في جوهره شأن دنيوي تحكمه موازين القوة والمصلحة، مضيفًا أن الدنيا إما أن تُؤكَل مع أهلها أو يُترك لهم أمرها، في تعبير مباشر عن منطق السياسة حين تُدار بوصفها صراعًا على السلطة لا مجال فيه للمثاليات.
وقد شهد التاريخ الإسلامي، كما شهدت تواريخ الأمم الأخرى، صراعات داخلية دامية، سقط فيها عدد كبير من الضحايا. ولم تكن تلك الصراعات في جوهرها دينية خالصة، بقدر ما كانت صراعات سياسية على الحكم، جرى تأطيرها لاحقًا في قوالب مذهبية أو فكرية.
فالدولة العباسية، التي أنهت الحكم الأموي، لم تؤسس لمرحلة خالية من الصراع، بل دشنت بدورها نمطًا جديدًا من إعادة إنتاج السلطة بالقوة، وهو ما يعكس حقيقة تاريخية ثابتة: الدولة، متى استقرت، أعادت إنتاج منطق الغلبة ذاته.
ولم تكن الصراعات الدينية عبر التاريخ صراعات لاهوتية خالصة، بل كانت في عمقها صراعات على الجغرافيا، والموارد، والنفوذ. من الحروب الصليبية إلى النزاعات المذهبية، ومن الإمبراطوريات القديمة إلى النظام الدولي الحديث، ظل المسرح واحدًا، وتبدلت فقط اللغة والشعارات.
وفي العصر الحديث، حين تفرض القوى الكبرى نفوذها، فإنها لا تبتكر قانونًا جديدًا، بل تطبّق قاعدة تاريخية معروفة: من يملك القوة، يفرض الواقع، ثم يصوغ الخطاب الذي يبرره.
والمفارقة أن بعض الخطابات المعاصرة، التي تهاجم منطق الغلبة وتتحدث عن السلطة بلغة مثالية مفرطة، تتجاهل في كثير من الأحيان تاريخ نشوء الدول وتكوّن السلطة. فالمثالية غير المستندة إلى معرفة تاريخية عميقة، لا تُنتج وعيًا سياسيًا، بل تُنتج قراءة قاصرة تعجز عن تفسير الواقع أو التعامل معه.
خلاصة القول، إن ما قيل قديمًا لم يكن تبريرًا أخلاقيًا، بقدر ما كان توصيفًا صريحًا لمسار التاريخ: الحكم لمن غلب.
ومنذ ذلك الحين، لم يتغير القانون، بل تغيرت الأدوات وتبدلت الصياغات، أما الصراع على السلطة، فباقٍ ما بقي الإنسان...،،!!
محمد سعد عبد اللطيف ،،
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!