اللا حرب واللا سِلْم
تُدخل المواجهة الأمريكية مع إيران المنطقة والعالم في حالة رمادية معقدة، لا ترقى إلى حرب شاملة ولا تستقر عند حدود السلام. هذا الوضع الهجين يخلق حالة من عدم اليقين المزمن، تتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط لتصيب الاقتصاد العالمي في عمقه، خصوصًا في ظل إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لنقل الطاقة عالميًا.
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأي اضطراب. إذ أن أي تعطيل جزئي لحركة الملاحة يؤدي فورًا إلى ارتفاع أسعار النفط، ليس فقط نتيجة نقص المعروض، بل أيضًا بسبب المضاربات والخوف في الأسواق. وهنا لا تكمن المشكلة في توقف الإمدادات الفعلي بقدر ما تكمن في "توقع" التوقف، وهو ما يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية بسرعة، ويخلق موجة تضخمية عالمية.
فالاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قد تمتلك احتياطيات استراتيجية تخفف الصدمة مؤقتًا، لكن الدول النامية هي الأكثر هشاشة. لأن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، ومن ثم على أسعار الغذاء والخدمات. ومع تآكل القدرة الشرائية، تدخل هذه الدول في دوامة من التضخم والركود، يصعب الخروج منها سريعًا.
أما أوروبا، التي تعتمد بشكل متفاوت على واردات الطاقة، فتجد نفسها مضطرة للبحث عن بدائل أكثر كلفة، ما يضغط على صناعاتها ويقلل من تنافسيتها. وفي آسيا، حيث الاقتصادات الصاعدة مثل الصين والهند، فإن أي اضطراب في تدفق النفط يعني تهديدًا مباشرًا لمسارات النمو، وقد يدفعها إلى إعادة رسم قدراتها الطاقية وسياستها التحالفية.
من جهة أخرى، فإن استمرار حالة "اللا حرب واللا سِلْم" يضر بالاستثمار العالمي. فإن رأس المال بطبيعته يهرب من المخاطر، وحين تتحول منطقة الخليج إلى بؤرة توتر دائم، تتجه الاستثمارات نحو مناطق أكثر استقرارًا، ما يحرم دول المنطقة من فرص تنموية حيوية. كما تتأثر أسواق المال العالمية بحالة التذبذب الحاد، حيث ترتفع معدلات المخاطرة وتنخفض الثقة.
اللافت أن هذا الوضع لا يمنح أي طرف نصرًا حقيقيًا. فالتصعيد المحدود يرهق الجميع دون حسم، ويُبقي الاقتصاد العالمي رهينة لقرارات سياسية وعسكرية متقلبة. وهكذا، يصبح العالم عالقًا في معادلة مكلفة: لا حرب تُنهي الصراع، ولا سِلْم يُعيد الاستقرار.
في المحصلة، فإن أخطر ما في هذه الحالة ليس الانفجار الكبير، بل الاستنزاف البطيء. فالاقتصاد العالمي القائم على الترابط لا يحتمل طويلًا مراكز توتر تمتد إلى شرايينه الحيوية. وبين حسابات القوة والسياسة، يبقى السؤال مُعلقًا: إلى متى يستطيع العالم تحمّل كلفة اللا حرب واللا سِلْم؟