حكم تقطيع حلوى مُجسَّمةٍ على هيئة حيوان أمام أخر حيّ لإفزاعه
جاءت الشريعة الغرَّاء مُحمَّلة بمقاصد الرحمة والعدل والإحسان والرفق، ولم تقتصر عنايتها على الإنسان فحسب، بل بسطت ظل رعايتها على الحيوان أيضًا وجعلت له حقًّا في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن لَا يَرحَم لَا يُرحَم» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
تقطيع حلوى مُجسَّمةٍ على هيئة حيوان أمام حيوان أخر حيّ لإفزاعه
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرَّاحِمُونَ يَرحَمُهُمُ الرَّحمَنُ، ارحَمُوا مَن فِي الأَرضِ يَرحَمكُم مَن فِي السَّمَاءِ» أخرجه الإمامان: أبو داود، والترمذي واللفظ له.
وما انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع مُصوَّرة يظهر فيها بعض الأشخاص وهم يحاكون فعل الذبح على مجسَّمات حيوانية مصنوعة من الكعك أو العجين أمام حيوانٍ حيٍّ من جنسه، بحيث تظهر على الحيوان أمارات الرهبة والفزع والاضطراب فيما يُعرف بتريند "ذبح حيوان الحلوى" -حرام شرعًا؛ لما فيه من إيذاء نفسي للحيوان، وتعدٍّ صارخ ومخالفة صريحة لمقتضى مقصد الرحمة والإحسان اللذَين أرستهما الشريعة الغرَّاء في حق جميع المخلوقات الحيَّة.
شهد الواقع المعاصر ظهور بعض السلوكيات الموجَّهة لبعض الحيوانات، الأمر الذي يقتضي الوقوف عليها، وبيان حكم الشرع الشريف فيها، ومن ذلك ما انتشر في الآونة الأخيرة عبر منصَّات التَّواصل الاجتماعي فيما يُعرف بتريند "ذبح حيوان الحلوى" وهو سلوكٌ رقميٌّ مستحدثٌ يَعمِد فيه بعض صُنَّاع المحتوى إلى إعداد مُجسَّمات من الحلوى أو العجين على هيئة حيواناتٍ أليفة كالقطط والكلاب ونحوها، ثمَّ يُحضرون حيوانًا حيًّا من جنس ذلك المُجسم بحيث يكون بإزائه أو على مقربة منه، وعندئذ يُقدِم صانع المقطع على محاكاة فعل الذَّبح على ذلك المُجسَّم بإمرار آلة حادة عليه كالسكين ونحوها، وذلك على مرأى من الحيوان الحي الذي لا يلبث أن يري ذلك إلَّا وترتعد فرائصه وتظهر عليه أمارات الفزع والاضطراب والتَّوجس والنفور، كأنَّه يستشعر أن خطرًا قد أحدق به، أو يظنُّ أنَّ الفعل سوف يُوجَّه إليه بعد ذلك المجسم المذبوح أو المقطوع مباشرة، وأنَّ الضرر واقعٌ به لا محالة.
وهذا الفعل وإن تجرَّد في ظاهره غالبًا من إيقاع ضرر جسدي مباشر على الحيوان، إلَّا أنَّه لا ينفك في حقيقته عن إلحاق ضرر معنويٍّ به، يتمثل فيما يعرض له من الرَّهبة والفزع والهلع النفسي، بل قد يتفاقم الأمر في بعض الحالات، فيؤول إلى إصابته ببعض الأضرار البدنية، كاختلال في وظائفه الحيوية، أو تضرر بعض أعضائه، بل ربما أفضى إلى هلاكه، وذلك كله من صور الأذى -وهو ما عرَّفه الإمام المُناوي في "التوقيف على مهمات التعاريف" (ص: 44، ط. عالم الكتب) بأنَّه: [ما يصل إلى الحيوان من ضرر أو مكروه في نفسه أو بدنه] اهـ- التي جاء الشرع الشريف بالنهي عنها والزجر عن إيقاعها؛ لما رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الإمام ابن ماجه.
وقد تواردت عبارات الفقهاء على تقرير هذا المعنى.
قال الإمام شرفُ الدين النَّووي في "المجموع" (2/ 121، ط. دار الفكر): [حُرمة الحيوان في منع إيلامه] اهـ.
وقال الإمام زينُ الدِّين بن نُجيم في "البحر الرائق" (8/ 554، ط. دار الكتاب الإسلامي): [الأصل أن إيصال الألم إلى الحيوان لا يجوز شرعًا إلا لمصالح تعود إليه] اهـ.
وليس أدل على مراعاة الشريعة للجانب النفسي للحيوان أنَّها مع إباحة ذبح بعضها تحقيقًا لمصالح العباد ومعايشهم لم تطلق يد الإنسان في ذلك ولم تَكِلْه لهواه وتقديره، بل طوَّقته بسياج من الضوابط المحكمة والتكاليف الملزمة التي تقيده بقيد الإحسان وتمنعه عن مسالك القسوة والعبث والمُثلة ونحو ذلك من سائر وجوه التعذيب، وإنَّ بعض الحيوانات كالبهائم وإن جُبلت على أنَّ مآلها إلى الموت لا محالة، إلَّا أنَّ ذلك لا يُسوِّغ للذابح أن يجهز عليها بغير رفق أو أن يثير في نفسها الخوف والتَّوجس، بل يتعين عليه أن يتحرى في شأنها أرفق وجوه الذبح، وأعجلها في إزهاق الروح على وجه يندفع به الألم، وتُدرأ به زيادة المعاناة، أو تفاقم الضرر، أو إطالة أمد النزع.
وقد فعَّلت الشريعة هذه المعاني عبر مجموعة من الآداب العملية التي أمرت بها، لعل أبرزها: إحداد الشفرة، وإراحة المذبوح، وسوقه برفق ولين، ومواراة الشفرة عنه، وستره عن أنظار بقية الحيوانات التي يراد ذبحها؛ تحقيقًا لمقصد الإحسان، وصيانةً له عن دواعي الأذى النفسي والجسدي على السواء، فإنها مع عدم عقلها، إلا أنها تعرف صاحبها، وتعرف الموت.
فعن شدَّادِ بن أوسٍ رضي الله عنه قال: ثِنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلتُم فَأَحسِنُوا القِتلَةَ، وَإِذَا ذَبَحتُم فَأَحسِنُوا الذَّبحَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُم شَفرَتَهُ، فَليُرِح ذَبِيحَتَهُ» أخرجه الإمام مسلم.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رجلًا أضجع شاةً يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتُرِيدُ أَن تُمِيتَهَا مَوتَاتٍ؟ هَلَّا حَدَدتَ شَفرَتَكَ قَبلَ أَن تُضجِعَهَا» أخرجه الإمامان: الحاكم في "المستدرك" واللفظ له، والبيهقي في "السنن الكبرى".