حالة انفصال
تتسع الفجوة الطبقية بين فئات المجتمع المصرى بصورة صارخة، بالتوازى مع الإعلان عن إنشاء مدن سكنية جديدة، وبالنظر إلى فتوى دار الإفتاء حول جواز الزكاة على الموظف غير القادر، يبدو المشهد وكأننا أمام حالة انفصال فى أبشع صورها، انفصال المجتمع عن واقعه، وانفصال صناع القر ار عن الوضع الاقتصادى الراهن، كل يدور فى فلكه، بينما يُترك السياق العام للمجهول، لا أحد يرغب فى رؤية الحقيقة العارية، والجميع يتمنى زوال الغمة دون محاولة جادة للإصلاح أو الإنقاذ، تناقض حاد وأوهام يبدو أن الجميع أسير لها فى سُبات عظيم.
الوضع الراهن فى مصر خلال هذه الحقبة ينقسم إلى غنى فاحش وفقر مدقع، مع تضليل متعمد وحديث منمق حول المستقبل، لا يبدو واضحا كيف يمكن النجاة من هذا النفق، وما إن كانت الدولة ترى هذه الفوارق أو تتغافل عنها، وإلى متى سيستمر هذا التجاهل؟ إن السياسة التى تمارس مع الشعب «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم» وبيع الوهم للناس، تكشف حجم خلل السياسة التى تُدار به الأمور، والاستخفاف بأهم عامل يضمن استقرار أى بلد، وهو السلم المجتمعى، القائم على قدرة الناس على تلبية احتياجاتهم اليومية، إن خلق تفاوت طبقى حاد ينذر بكارثة حتمية، خاصة بعد سقوط شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة فى براثن الفقر، وتركها تصارع الحياة بمفردها فى ظل تخلّ واضح للأعمى.
ويغيب صُناع القرار من حين لآخر، ليخرجوا علينا بمصطلحات من قبيل «جنى الثمار»، فى تضارب تصريحات يشعرك وكأنك تعيش فى مدينة فاضلة، بينما الواقع يشهد سياسات تقشف واضحة تمس حياة الناس ولقمة عيشهم، من تحريك أسعار، وموجات غلاء، ورفع أسعار الوقود، وانقطاعات الكهرباء.
لكن أكثر ما يثير الدهشة هى التصريحات الأخيرة حول افتتاح عدد من المصانع لتصل إلى 204 مصانع، و173 مصنعًا تحت الإنشاء، والسؤال: هل دخلت هذه المصانع طور التشغيل؟ هل وفرت فرص عمل حقيقية؟ وما آليات تشغيلها وحجم إنتاجها؟.
والأدهى من ذلك مشاركة مدبولى فى تدشين مدينة سكنية جديدة تضم نحو 169 برجًا سكنيًا وإداريًا وسياحيًا، بتكلفة 1.4 تريليون جنيه، مع الترويج لها بوصفها نقلة حضارية ومصدرا للعوائد.
فى المقابل، يعانى القطاع العقارى فى مصر من تخمة تقترب من الركود، مع تراجع ملحوظ فى حجم المبيعات، فضلا عن استهدافه شريحة محدودة من المواطنين والأجانب، لا تمثل 1% من الراغبين فى الشراء، فهل تحتاج مصر إلى مدن خاوية على عروشها؟ وهل نجحت الحكومة فى تسويق المشروعات العقارية الجديدة، أو جذب استثمارات حقيقية ملموسة إليها؟.
تمر مصر بمرحلة تعانى فيها قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة والزراعة والصناعة من قصور فادح، وكان الأولى توجيه الاهتمام إلى المشروعات الإنتاجية، باعتبارها السبيل الحقيقى للنجاة والخروج من عنق الزجاجة، فلن تتحقق نهضة أو تنمية تُدر دخلا على الوطن والمواطن عبر إنشاء مدن جديدة فقط، ولن تخرج البلاد من دائرة القروض والديون بهذه الاستثمارات.
المؤلم فى الأمر أن اعتماد رجال الأعمال فى أغلب مشروعاتهم يكون على الاقراض من البنوك الوطنية التى تدير أموال الشعب، وهو يفرض ضرورة إعادة ترتيب الأولويات، بحيث توجه هذه التمويلات إلى مشروعات إنتاجية تحقق دخلًا حقيقيًا، وتدعم التشغيل، وتقلل معدلات البطالة، فمشروعات الربح السريع لن تنقذ مصر ولا المصريين، بل المطلوب هو دور فاعل للدولة فى تبنى خطط اقتصادية منهجية، تستهدف الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وزيادة الموارد من العملة الصعبة، وترشيد الإنفاق فى قطاعات غير ذات جدوى.