ماسبيرو في عصر الانضباط.. قراءة في فكر القيادة.
في أروقة ماسبيرو العريقة، حيث يمتد التاريخ الإعلامي ليتعانق مع الحاضر، لا يمكن للمراقب المنصف أن يخطئ بصمات التطوير التي حدثت - وتحدث - منذ أن تولى الكاتب الكبير والإعلامى أحمد المسلماني المسؤولية؛ فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد إدارة مؤسسة، بل عن رؤية إحياء لقلب الإعلام العربي النابض.
ولنأخذ بعض الأمثلة وليس كل الإنجازات:
أولا: إذاعة القرآن الكريم.. عودة إلى الجوهر
لعل أبرز ما يسجله التاريخ المهني في هذا الشأن هو القرار الشجاع والاستراتيجي بتنقية أثير إذاعة القرآن الكريم من الإعلانات التجارية؛ هذا القرار لم يكن إداريا فحسب، بل كان تقديرا لقدسية هذه الإذاعة في وجدان المصريين والعالم الإسلامي، مما أعاد لها هيبتها كمنبر روحي خالص؛ وتزامن ذلك مع استعادة الكلاسيكية الهادئة في المحتوى، مما جعل الأجيال الجديدة ترتبط بها بنفس شغف الأجيال القديمة، معيدا للأذهان زمن العمالقة في التلاوة والتقديم، وأيضا رعايته للموقع العالمي لإذاعة القرآن الكريم حتى ظهر للنور، ووصل من خلاله صوت الوطن لكل أنحاء العالم.
ثانيا: مد الجسور.. صوت العرب والريادة الإقليمية
لم يقتصر التطوير على الداخل، بل امتد ليعيد لمصر قوتها الناعمة عبر تقوية إرسال إذاعة صوت العرب؛ لتصل بجودة فائقة إلى كافة أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج؛ إنها خطوة تعكس إيمانا عميقا بدور الإعلام المصري كمظلة جامعة للعرب، وتأكيدا على أن ريادة ماسبيرو هي ريادة لا تغيب عنها الشمس.
ثالثا: الإبداع والحماية.. مسرح ماسبيرو والنهضة الفنية
وعلى صعيد إحياء التراث الفني وتوفير منصات للإبداع الرصين، جاء القرار ببدء العمل في مشروع تأسيس فرقة مسرحية تحمل اسم فرقة( ماسبيرو المسرحية). لتكون رئة جديدة يتنفس من خلالها الفن المصري الراقي؛ هذه الخطوة هي استعادة للمكانة وفتحا لأبواب التميز أمام المبدعين تحت رعاية الدولة، مما أعاد لمؤسستنا دورها كصانعة للنجوم وحامية للذوق العام.
رابعا: العنصر البشري.. قلب المنظومة
وبعيدا عن الأضواء، تبرز الجهود الحالية في تحسين أوضاع العاملين بقطاعات الهيئة، إيمانا من الدولة - ومتمثلة هنا في فكر رئيس الهيئة - بأن بناء المؤسسات يبدأ من إنصاف كوادرها؛ فالتحسين التدريجي في الملفات الإدارية والمالية للموظفين يعكس فكر القائد الذي يدرك أن الاستقرار النفسي والمادي للمبدع هو الضمانة الحقيقية لاستدامة العطاء، وكذلك مع الجهود الملموسة في حل المشكلات الموروثة ومنها مشكلة المعاشات في هذا المجال.
خامسا: وفاء القيادة.. تكريم الرموز واحتواء الرواد
لم تكن إدارة المشهد مجرد قرارات إدارية، بل كانت لمسة وفاء تجلت في الاحتفاء الاستثنائي بقيادات ماسبيرو التاريخية، وفي مقدمتهم الإذاعي القدير الأستاذ فهمي عمر؛ هذا التقدير الذي يعكس إيمان القيادة الحالية بأن الحاضر لا ينفصل عن الجذور، وأن تكريم الرواد هو رسالة طمأنة للأجيال الجديدة بأن الإخلاص يظل محفورا في ذاكرة المؤسسة.
ولم يتوقف الأمر عند الاحتفاء المعنوي، بل امتد لتوثيق الهوية المصرية داخل أروقة المبنى، من خلال إطلاق أسماء كبار علماء ومبدعي مصر على استوديوهات الإذاعة، وفي مقدمتهم أديب نوبل نجيب محفوظ؛ لتتحول الاستوديوهات من مجرد أرقام صماء إلى منابر تحمل أسماء من صنعوا وجدان الأمة، مما يضفي على بيئة العمل روحا من الفخر والاعتزاز.
إن ما تحقق من طفرة في البنية التحتية للإرسال، وتطوير المنصات الرقمية التابعة للهيئة، بالتوازي مع الحفاظ على الهوية المصرية الأصيلة، يجعلنا أمام مرحلة فارقة؛ إننا لا نشيد بشخص، بل نحتفي بمنهج عمل استطاع في وقت قياسي أن يربط عراقة الماضي بتكنولوجيا المستقبل، واضعا "الوطنية للإعلام" في مكانتها الطبيعية: منارة للحق، ومنبراً للتنوير، وصوتا لمصر يتردد بوضوح في كل مكان.