الزاد
خسارة الإنجليز!؟
لم يكن محمد صلاح مجرد لاعب في صفوف ليفربول، بل كان ظاهرة كروية وإنسانية أعادت رسم خريطة المتابعة العربية للدوري الإنجليزي. برحيله، لا يخسر نادٍ لاعبًا فقط، بل تخسر منظومة كاملة جزءًا من بريقها وتأثيرها الممتد خارج حدود الملاعب.
على المستوى الجماهيري، كانت مباريات ليفربول تتحول في مصر والعالم العربي إلى ما يشبه “الحدث القومي”. المقاهي تمتلئ، البيوت تضبط توقيتها على شاشة beIN Sports، والجماهير، بمختلف انتماءاتها الكروية، تتوحد خلف لاعب واحد. لم يكن الانتماء هنا لقميص نادٍ بقدر ما كان لفكرة: لاعب عربي ينافس ويتفوق في أعلى مستويات اللعبة.
هذا التأثير الجماهيري لم يكن عاطفيًا فقط، بل اقتصادي أيضًا. ملايين المشاهدات تعني عوائد إعلانية، وانتشارًا أوسع للبطولة، وتعزيزًا للقيمة التسويقية. ومع غياب صلاح، سيكتشف الدوري الإنجليزي الممتاز أن جزءًا معتبرًا من حضوره العربي قد تراجع، وأن “النجم العابر للحدود” ليس مجرد رفاهية، بل ركيزة أساسية في صناعة الشعبية.
ويكفي أن ليفربول، بوجود محمد صلاح، استطاع أن ينافس في مصر ناديين بحجم الأهلي والزمالك من حيث نسب المتابعة والاهتمام الجماهيري، وهي معادلة لم تكن مطروحة من قبل. ويكفي صلاح فخرًا أنه أول لاعب من خارج القطبين تنجح موهبته وإنجازه في أن تجمع حوله قلوب الجماهير بمختلف انتماءاتها، ليتحول إلى حالة استثنائية يتجاوز فيها التشجيع حدود الأندية إلى الانحياز لفكرة النجاح نفسها.
ليفربول،خسارته تبدو أكثر تعقيدًا. الأرقام وحدها تحكي قصة لاعب استثنائي: أهداف حاسمة، صناعة فرص، وحضور دائم في اللحظات الكبرى. لكن القيمة الحقيقية لصلاح لم تكن فقط فيما يقدمه داخل الملعب، بل فيما يمنحه للفريق من ثقة واستقرار وهيبة هجومية. لاعب يعرف الطريق إلى المرمى، ويجيد صناعة الفارق حين تتعقد الأمور.
ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة في رحيل لاعب قد يكون تبسيطًا مخلًا. ليفربول، في مواسمه الأخيرة، عانى من تذبذب واضح في وسط الملعب، واهتزازات دفاعية لم تُعالج بالشكل الكافي. ربما كان وجود صلاح يغطي على بعض هذه العيوب، ومع غيابه ستظهر الصورة أكثر وضوحًا. هنا يصبح السؤال: هل المشكلة في من رحل، أم في من بقي دون تطوير حقيقي؟
القرارات الفنية دائمًا ما تكون معقدة، تتداخل فيها الرؤية التكتيكية مع الاعتبارات الاقتصادية وإعادة بناء الفريق. لكن التاريخ يقول إن التفريط في لاعب بحجم صلاح ليس قرارًا عاديًا، بل نقطة تحول قد تحدد مسار نادٍ لسنوات.
في المقابل، قد يكون الرابح الأكبر هو صلاح نفسه. لاعب وصل إلى قمة عطائه، وكتب اسمه في تاريخ أحد أكبر أندية العالم، يملك الآن حرية اختيار تحدٍ جديد يليق بما قدمه. الرحيل هنا لا يبدو نهاية، بل امتدادًا لمسيرة لاعب اعتاد كسر التوقعات.
في النهاية، قد يكون ليفربول خسر نجمًا، وخسرت الكرة الإنجليزية جزءًا من جمهورها العربي، لكن المؤكد أن قصة صلاح لم تنتهِ بعد… بل ربما تبدأ فصلًا أكثر إثارة في مكان آخر.