الفقراء يسددون فاتورة الحرب
تكشف الحرب الدائرة فى الشرق الأوسط عن وجه قاسٍ لاقتصاد الطاقة العالمى، حيث لم تعد الأسعار المرتفعة مجرد انعكاس طبيعى لقوى السوق بل نتيجة مباشرة لصراع الدول على تأمين احتياجاتها بأى ثمن حتى لو جاء ذلك على حساب الآخرين.
أدت المواجهة إلى تقليص إمدادات النفط القادمة من الخليج بشكل حاد وهو ما دفع القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين واليابان وأوروبا والولايات المتحدة إلى التحرك بسرعة لتأمين مخزوناتها من الطاقة مهما ارتفعت التكلفة، بل إن بعض هذه الدول لجأت إلى فرض قيود على الصادرات بهدف الاحتفاظ بالإمدادات داخل حدودها.
هذه التحركات دفعت الأسعار إلى الارتفاع فى مختلف أنحاء العالم وفى الوقت نفسه وضعت الدول الأقل ثراء فى آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية أمام خطر نقص حاد فى الطاقة.
يصف اقتصاديون هذه الظاهرة بالاكتناز حيث تتحول الأسواق من آلية لتوزيع الموارد إلى ساحة صراع مفتوح وقالت إيزابيلا ويبر الخبيرة الاقتصادية فى جامعة ماساتشوستس إن ما يحدث يشبه قانون الغاب موضحة أن ارتفاع الأسعار بهذه الطريقة يؤدى إلى نتائج غير عادلة بشكل جوهرى حسب تقرير نيويورك تايمز الأمريكية.
هذه الديناميكية ليست جديدة فقد ظهرت سابقًا فى أزمات الغذاء العالمية وتكررت بشكل واضح خلال جائحة كوفيد 19 عندما سارعت الدول إلى حظر تصدير المعدات الطبية والتنافس على اللقاحات، والآن يتكرر السيناريو نفسه فى قطاع الطاقة.
انعكست هذه الأزمة بالفعل على الأرض، حيث تعانى الهند من نقص فى غاز الطهى بينما تواجه دول جنوب شرق آسيا صعوبات فى تأمين وقود الطائرات.
يرى أسوار براساد، خبير التجارة الدولية فى جامعة كورنيل، إن العالم يمر مرة أخرى بصدمة اقتصادية كبيرة تدفع كل دولة إلى التصرف بشكل فردى من أجل البقاء بدلًا من العمل الجماعى لحل الأزمة.
فى هذا السياق دعت مؤسسات دولية كبرى مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ووكالة الطاقة الدولية الدول إلى تجنب سياسات الاكتناز ووقف الصادرات محذرة من أن هذه الإجراءات ستفاقم الأزمة العالمية بدلًا من حلها.
ورغم هذه التحذيرات أوقفت دول مثل الصين وتايلاند صادرات وقود الطائرات بهدف تأمين احتياجاتها المحلية وهو ما تسبب فى نقل الأزمة إلى دول أخرى تعتمد على الاستيراد مثل فيتنام وميانمار وباكستان.
فى تايلاند أدى القلق من نقص الوقود إلى اندفاع المواطنين نحو محطات الوقود فى موجة شراء بدافع الذعر ما دفع السلطات إلى الاستعداد لفرض نظام تقنين.
أما فى أوروبا فقد حذرت شركات الطيران من خطر نقص الوقود، حيث أعلنت مجموعة لوفتهانزا عن أنها ستضطر إلى إلغاء عشرين ألف رحلة حتى شهر اكتوبر بسبب تضاعف الأسعار.
منذ اندلاع الحرب فى نهاية فبراير حاولت الصين تعويض النقص عبر زيادة وارداتها من روسيا والبرازيل، لكن هذه العملية ليست سهلة حيث انخفضت وارداتها من النفط بنحو 10 بالمئة مقارنة بالعام السابق، ومع ذلك فإن قدرتها الكبيرة على التخزين تمنحها ميزة كبيرة مقارنة بالدول الأصغر.
تعانى الاقتصادات الصغيرة من ضعف قدراتها التخزينية وهو ما يجعلها الأكثر تضررًا. ففى الفلبين التى تستورد 90 بالمئة من احتياجاتها النفطية من الخليج أعلنت الحكومة عن حالة طوارئ وطنية بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
حاول الرئيس فرديناند ماركوس الابن تخفيف الضغط عبر تقديم دعم مالى لسائقى وسائل النقل الشعبية مثل الترايسيكل والجيبنى لكن هذه الإجراءات لم تمنع اندلاع احتجاجات وإضرابات كما اضطرت الحكومة إلى تعليق بعض الضرائب على وقود الطهى.
وفى الهند قامت السلطات بمداهمة شركات متهمة بتخزين أسطوانات الغاز بشكل غير قانونى فى ظل تفاقم النقص.
فى الولايات المتحدة حاول الرئيس دونالد ترامب الحد من تأثيرات الحرب الاقتصادية عبر السحب من الاحتياطى الاستراتيجى للنفط كما اتبعت اليابان سياسة مماثلة.
فى الوقت نفسه ساهمت الدول الأوروبية فى رفع الأسعار العالمية من خلال منافستها للدول الآسيوية على شراء الوقود بأسعار أعلى.
يرى بعض الاقتصاديين أن هذه الأزمة تمثل ضربة لفكرة العولمة التى سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتى قامت على أن التجارة الحرة تضمن الاستقرار من خلال توفير السلع للجميع.
قال جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل إن النظام الاقتصادى العالمى كان يقوم على فكرة أن الحدود لا أهمية لها لكن مع عودة الاكتناز الوطنى أصبحت الحدود عاملًا حاسمًا فى تحديد من يحصل على الموارد.
تقول إيزابيلا ويبر إن الدول الغنية تتفوق فى سباق الشراء بينما يضمن الأثرياء استمرار استهلاكهم حتى للسلع الكمالية فى حين تتحمل الأغلبية الضغوط الاقتصادية.