حادث الزاوية الحمراء ليس الأول ولن يكون الأخير
«قنابل» فى قلب الكتل السكنية
خبراء: المصانع المخالفة تهديد مباشر للأرواح
العقوبة الجنائية على صاحب مصنع الزاوية تصل إلى
7 سنوات سجن.. وموظف المحليات من 5 إلى 10 سنوات
حادث حريق مصنع الزاوية الحمراء الذى تسبب فى وفاة 7 فتيات وإصابة 5 آخرين، جاء جرس إنذار ليفتح ملف المنشآت الصناعية الموجودة داخل الكتل السكنية، ويمكن وصفها بالقنبلة الموقوتة التى قد تنفجر فى أى لحظة مخلفة خسائر بشرية ومادية كبيرة.
الحادث الذى راح ضحيته فتيات- كن يبحثن عن لقمة العيش- إما لمساعدة الأهل على تحمل تكاليف المعيشة، أو لتجهيز أنفسهم للزواج- أثار الكثير من التساؤلات حول وجود مثل هذه المصانع داخل الكتل السكنية، وهل هى مرخصة أم لا، ومدى خطورة ذلك على المواطنين، خاصة أن المصانع والورش تستخدم مواد قابلة للاشتعال، وعند وقوع الكارثة يتحول المكان كله إلى ركام فى لحظات.
الأصعب والأهم فى مثل هذه الحالات أن النسبة الأكبر من المصانع داخل الكتل السكنية لا تتبع الاشتراطات الفنية والبيئية الخاصة بالمصانع فى المناطق الصناعية، وبالتالى فهى عرضة لأى حريق بسيط ويمكن أن يتحول إلى حريق كبير فى لحظات، وهو ما حدث مؤخراً فى حادث مصنع الزاوية الحمراء، وبعده مخازن للفراشة والأخشاب فى دار السلام.
إذا ذهبت لوزارة الصناعة لكى تحصل على رخصة تشغيل مصنع، فإن هناك اشتراطات عامة وخاصة لترخيص المنشآت الصناعية فى المناطق الصناعية، لكن خارج هذه المناطق هناك 12 خطوة يجب عليك القيام بها لتوفيق أوضاع المشروع والحصول على الرخصة الصناعية، منها الحصول على رخصة تشغيل صادرة من الحى التابع له، أو خطاب جارى السير فى استخراج الرخصة طبقاً للقوانين واللوائح والقرارات المنظمة لاستخراج رخصة التشغيل لمنشآت صناعية بالمناطق السكنية والأراضى الزراعية، أو خطاب من سكرتير عام المحافظة التابع لها المصنع.
وبالإضافة إلى ذلك لابد من تقديم مستخرج من السجل التجارى، البطاقة الضريبية، موافقة الدفاع المدنى، موافقة وزارة الزراعة ورخصة المبانى الخاصة للمشروع (فى حالة إقامة المصنع على أرض زراعية)، موافقة جهاز حماية شئون البيئة، عقد الشركة إذا كان المشروع فى شكل شركة، توكيل رسمى أو تفويض بصحة توقيع البنك، إذا كان المشروع خارج الزمام فمطلوب خطاب من إدارة أملاك الدولة، وآخر إيصال سداد، فضلاً عن نموذج توفيق الأوضاع الموجود بإدارة الموافقات والتراخيص بالهيئة العامة للتنمية الصناعية، وعقد ملكية الأرض، وسند الحيازة (عقد تمليك أو عقد إيجار).
ورغم كل هذه الإجراءات المعقدة إلا أننا نفاجأ من فترة لأخرى بوقوع كارثة فى منشأة صناعية مقامة داخل الكتلة السكنية، ولا أحد يعرف كيف تم الترخيص لمثل هذه المنشآت.
تهديد مباشر للأرواح
الخبراء أكدوا أن وجود المصانع داخل الكتل السكنية خطر كبير يهدد المواطنين على مستوى الجمهورية، وهى تهديد مباشر للأرواح، مشيرين إلى أن حادث الزاوية الحمراء جرس إنذار لكل من يظن أن إجراءات السلامة رفاهية.
وهو ما أكده الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة، موضحاً أن وجود المصانع داخل الكتل السكنية يعد بمثابة قنبلة موقوتة فى قلب الكتلة العمرانية.
وأضاف حسان أن استمرار وجود المصانع والمخازن فى البيوت وخاصة فى الصناعات التى تستخدم مواد تساعد على الاشتعال يعنى أننا ننتظر كارثة كبيرة فى أى لحظة.
وأوضح خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة أن كل متر صناعى داخل الحيز السكنى خطره مضاعف 10 مرات، مشيراً إلى أن 60% من الورش الصغيرة فى مصر تعمل خارج المناطق الصناعية المنظمة.
وتابع «الحرائق الصناعية داخل الكتل السكنية نسبتها 40% تقريباً وبالتالى ستكون هناك خسائر بشرية وتدهور صحى مزمن طالما استمرت هذه الورش فى العمل سواء حساسية أو أمراض صدرية أو أورام».
ولفت خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة، إلى أن هناك 3 قوانين تنظم المسألة، هى قانون البناء الموحد 119 لسنة 2008 من خلال منع الأنشطة غير المتوافقة مع طبيعة المناطق السكنية، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 الذى يفرض اشتراطات صارمة على الانبعاثات والتلوث، وقانون تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية رقم 15 لسنة 2017 الذى يشترط الترخيص والتوافق مع المناطق الصناعية المعتمدة، ورغم ذلك التحدى الكبير هو مدى تطبيق القانون.
ولفت إلى أن الدولة وضعت من خلال رؤية تخطيطية وجود مدن جديدة حديثة يتم فيها الفصل بين السكن والخدمات والصناعة بشكل كبير، وأى تداخل بين العناصر الثلاثة يضغط على المرافق وزيادة نسبة التلوث وارتفاع معدلات الحوادث وبالتالى لابد من وجود آلية لنقل هذه الورش والمصانع خارج الكتل السكنية من خلال تطبيق القانون ونقل المصانع إلى المناطق الصناعية وتقنين الأوضاع الخاصة بالورش، وحتى لو كانت موجودة فى مناطق صناعية مرخصاً بها، فلابد من التزامها البيئى بكل الاشتراطات.
وطالب حسان، بضرورة منح حوافز للمستثمرين لنقل المصانع من الحيز السكنى إلى الصناعى من خلال الإعفاءات والتسهيلات وتطبيق الرقابة الصارمة والإغلاق الفورى للمخالفين.
وكشف أن المسئولية فى مثل هذه الحالات مشتركة، لكن المسئولية المباشرة تقع على عاتق صاحب المصنع الذى قام بتشغيل نشاط غير مرخص فى منطقة سكنية ولم يلتزم باشتراطات السلامة وساعد على تخزين مواد خطرة بشكل عشوائى ويتحمل مسئولية كل روح تصاب أو تتوفى.
ثم بعد ذلك تأتى مسئولية الأجهزة المحلية سواء فى الأحياء أو المحافظات بالتغاضى عن تراخيص هذه المخالفة وضعف التفتيش والرقابة والمتابعة وعدم غلق المنشآت الخطرة، فضلاً عن دور الجهات الرقابية الأخرى مثل الدفاع المدنى والبيئة والصناعة لأن مهمتها التأكد من الاشتراطات الخاصة بالحريق والتهوية وطبيعة النشاط وغيرها، وفقاً للدكتور الحسين حسان، الذى أكد أن المواطن الذى يقوم بتأجير المسكن إلى هذه الأنشطة الخطرة مسئول أيضاً عن الكارثة بشكل غير مباشر.
وأوضح أن عوامل الأمان التى يجب توافرها لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، تتمثل فى أنظمة الحماية من الحريق وطفايات الحريق الموزعة بشكل مدروس، شبكة إنذار مبكر، رشاشات مياه، السلامة الكهربائية من خلال عزل الكابلات ومطابقتها للمواصفات وفصل الأحمال الزائدة، الصيانة الدورية، فضلاً عن إدارة المواد الخطرة بالتخزين الآمن بعيداً عن الحرارة، ووجود مخارج طوارئ وعدم وجود أى عراقيل للمخارج مع لوحات إرشادية مضيئة، مع خطط إخلاء واضحة وتدريب دورى عليها.
وتابع «السلامة والأمان شرط لوجود المصنع، ولذلك المصنع الذى لا يمتلك وسائل الأمان يجب ألا يملك حق الاستمرار داخل أى مجتمع سكنى الذى هو مخالف بالأساس».
جرس إنذار
فيما قال تامر شراكى، الاستشارى الدولى وخبير التحقيق فى الحوادث، إن تغيير النشاط السكنى إلى صناعى هو قنبلة موقوتة داخل التجمعات السكنية، وحادث الزاوية الحمراء جرس إنذار لكل من يظن أن إجراءات السلامة رفاهية.
وأكد شراكى أن حادث حريق مصنع الزاوية الحمراء ليس مجرد ماس كهربائى، بل هو نتيجة تراكمات لغياب التخطيط الوقائى وتجاهل أبسط قواعد السلامة المهنية فى المناطق السكنية.
وأضاف الاستشارى الدولى وخبير التحقيق فى الحوادث، أن هذا الحادث أعاد ملف السلامة فى المنشآت المخزنية والتجارية داخل الكتل السكنية إلى الواجهة مرة أخرى، فالحادث لم يكن مجرد حادث عارض، بل هو تجسيد حى للمخاطر التى تنجم عن تجاهل معايير الحمل الحرارى والتوافق الكيميائى فى أماكن العمل.
وأوضح أن مثلث الكارثة فى هذا الحادث يتمثل فى الحمل الحرارى الكثيف من خلال وجود مواد «بوليمرية» (إسفنج، جلود) وسوائل سريعة الاشتعال (تنر) داخل مساحة ضيقة (70 متراً) أدى إلى وصول الحريق لمرحلة الوميض الشامل فى دقائق معدودة.
وتابع «العامل الثانى هو النواتج السامة باحتراق الإسفنج والجلود الذى يطلق غازات «سيانيد الهيدروجين» و«أول أكسيد الكربون»، ما يفسر حدوث الوفيات نتيجة الاختناق قبل وصول النيران للأجساد، أما العامل الثالث فهو وجود نوافذ مقيدة وأبواب مغلقة منعت الهروب الأمن، وهو ما يخالف معايير واشتراطات الحماية المدنية وكودNFPA 101 الخاص بسلامة الأرواح».
وأشار إلى أن هناك اشتراطات محلية ودولية للمخازن والورش الصناعية تتمثل فى توافر نظام الإنذار والإطفاء بتركيب كواشف دخان مرتبطة بلوحة إنذار، وتوفير طفايات حريق (CO2 وبودرة جافة) تتناسب مع حجم المخاطر، مع ضرورة توافر مسالك للهروب، ويجب ألا تزيد المسافة المقطوعة للوصول للمخرج عن 23 متراً فى الأماكن غير المحمية بالرشاشات، مع بقاء المخارج غير مقيدة تماماً.
وبالإضافة إلى أهمية التهوية والتخزين، من خلال الفصل المكانى بين المواد الكيميائية والمواد الصلبة، وتوفير تهوية طبيعية أو ميكانيكية لمنع تراكم الأبخرة القابلة للانفجار، مطالباً بمنع تخزين المواد ذات الحمل الحرارى العالى (إسفنج، جلود، تنر) فى العقارات السكنية لعدم قدرة الهيكل الخرسانى السكنى على تحمل درجات الحرارة الناتجة عن احتراقها، وتوفير مخرجين على الأقل متباعدين، مع حظر وضع أى عوائق أو أقفال كما حدث فى كارثة النوافذ المقيدة بحريق مصنع الزاوية الحمراء، فضلاً عن ضرورة وجود رشاشات مياه تلقائية فى المخازن، وطفايات حريق يدوية تتناسب مع نوع الحريق.
ولتجنب تكرار هذه الحوادث، طالب شراكى، باتخاذ عدد من الإجراءات مثل الرقابة الرقمية بتدشين خدمة «بلاغ السلامة» عبر واتساب أو تطبيق ذكى يتبع الحماية المدنية أو النيابة العامة، يتيح للمواطنين الإبلاغ الفورى عن الورش والمخازن غير المرخصة داخل العقارات السكنية على غرار منظومة الشكاوى الحكومية أو جرائم الإنترنت، مع التدقيق الدورى بتفعيل دور لجان التفتيش المفاجئ من القوى العاملة والحماية المدنية على المناطق الشعبية والمزدحمة، وإلزام ملاك العقارات بتقديم شهادة سنوية تفيد عدم وجود أنشطة تخزينية خطرة داخل العقار كشرط لاستمرار الخدمات (كهرباء/مياه).
وأكد أنه لا يجوز تشغيل أى ورشة أو مخزن دون الحصول على موافقة الحماية المدنية للتأكد من استيفاء اشتراطات الإطفاء والإنذار، ورخصة التشغيل التى تصدر من الحى أو هيئة التنمية الصناعية بناءً على معاينات فنية، وسجل السلامة والصحة المهنية الذى يتضمن خطة الطوارئ وتدريبات العاملين.
وأشار إلى أن تبنى هذه المقترحات، وخاصة نظام الإبلاغ السريع عبر الواتساب، سيسهم بشكل جذرى فى تقليص زمن الاستجابة ومنع وقوع الكوارث قبل حدوثها.
المسئولية الجنائية
أما من الناحية الجنائية والقانونية، فقال الدكتور أحمد القرمانى المحامى وأستاذ القانون الجنائى، إن المسئولية الجنائية تقع على صاحب المصنع ومن قام بمنحه ترخيص المصنع داخل الكتلة السكنية.
وأضاف القرمانى أن العقوبة على صاحب المصنع قد تصل إلى 7 سنوات سجن، أما موظف الإدارة المحلية فقد تتراوح بين 5 و10 سنوات بتهمة الإهمال والتواطؤ.
وأوضح أستاذ القانون الجنائى أن هذه العقوبات لا تنفذ فى حالات عديدة، لأننا نحتاج إلى تحديد هل المصنع كان موجوداً قبل بناء الكتلة السكنية أم بعدها، لكن المشكلة ستظل قائمة عند الإدارات المحلية التى تركت المصنع مستمراً داخل الكتلة السكنية طوال الفترة الماضية.
وفيما يتعلق بالضحايا، أشار إلى أنه يمكن لذويهم إقامة دعوى للتعويض المدنى على الحكومة نتيجة عدم إغلاق هذا المصنع وتركه وسط الكتلة السكنية.


