بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحصار قبل الانفجار

أخطر معركة تواجه طهران .. تبدأ اقتصاديًا

بوابة الوفد الإلكترونية

تدخل إيران مرحلة توصف بأنها الأخطر فى تاريخها الحديث، بعدما نجحت فى الصمود عسكريا أمام الحملة الأمريكية الإسرائيلية، لتجد نفسها الآن فى مواجهة تهديد أكثر تعقيدا يتمثل فى الحصار الاقتصادى الذى فرضه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بهدف خنق ما تبقى من شريان الحياة الاقتصادى للجمهورية الإسلامية.
هذا التحول يعكس استراتيجية مختلفة من واشنطن، لا تعتمد فقط على الضربات العسكرية، بل على الضغط غير المتكافئ عبر استهداف مفاصل الاقتصاد الإيراني، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذى يعد نقطة اختناق رئيسية لتجارة الطاقة العالمية. فالممر الذى طالما استخدمته طهران كورقة قوة، بات اليوم أداة ضغط ضدها، مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية فرض حصار كامل على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها.
ورغم أن هذا الإجراء قد لا يؤدى إلى انهيار فورى للنظام، إلا أن تداعياته تبدو عميقة، خاصة فى ظل اقتصاد يعانى بالفعل من أزمات متراكمة. 
يقول الخبير الاقتصادى على دادباى إن البلاد ستشهد ارتفاعا حادا فى أسعار المستهلكين، ما قد يدفع التضخم السنوى إلى مستويات ثلاثية، مشيرا إلى أن التحدى الأكبر سيكون مزيج الضغوط المالية والاجتماعية.بحسب تحليل نيوزويك 
وبحسب الصحيفة، يضيف «دادباي» أن الدولة إذا فشلت فى الحفاظ على عائدات التصدير فى ظل الارتفاع الكبير فى أسعار السلع الأساسية، فستواجه صعوبة فى تمويل شبكات المحسوبية، والحفاظ على القدرة الشرائية، واحتواء الاضطرابات، موضحا أن الحصار قد لا يؤدى إلى انهيار فوري، لكنه سيضعف القاعدة الاقتصادية للنظام ويزيد تكلفة السيطرة السياسية.
وعلى مدى سنوات، بنت إيران ما يشبه «اقتصاد التكيف مع العقوبات»، حيث ركزت، كما يوضح الباحث هادى كاهال زاده، على تطوير أدوات للالتفاف على الضغوط بدلا من إزالة نقاط الضعف الهيكلية. وشمل ذلك توجيه التجارة نحو شركاء غير غربيين، وتعزيز الإنتاج المحلى فى قطاعات مثل الغذاء والدواء، وتطوير قنوات مالية خارج نظام الدولار، إلى جانب توسيع استخدام الشبكات غير الرسمية وشبه الرسمية، بما فى ذلك أسطول شحن مواز.
لكن كاهال زاده يشير إلى أن هذه السياسات أدت أيضا إلى نتائج سلبية، أبرزها عسكرة الاقتصاد وتقلص دور القطاع الخاص المستقل، فى ظل توسع نفوذ الحرس الثورى الإيرانى الذى تحول من مؤسسة عسكرية إلى لاعب اقتصادى رئيسي.
وفى السياق نفسه، يلفت دادباى إلى أن هذه البيئة أفرزت شبكات موازية من الشركات المرتبطة بالنخب، تمتد من أفريقيا إلى آسيا الوسطى، مع اعتماد مراكز مثل دبى كنقطة رئيسية، مؤكدا أن هذه الشبكات تعمل كآليات للتهرب أكثر من كونها أدوات لبناء اقتصاد مرن.
ومع تصاعد الحصار، تتراجع قدرة إيران على استخدام هذه الشبكات، خاصة بعد تشديد دول الجوار، وعلى رأسها الإمارات، القيود على الأنشطة المرتبطة بطهران، عقب تعرضها لهجمات خلال الحرب، ما أدى إلى تضييق الخناق على القنوات البديلة.
وفى ظل توقف الشحن البحري، ستضطر إيران إلى الاعتماد على طرق أخرى مثل النقل البرى وشبكات التهريب، إلا أن دادباى يؤكد أن هذه البدائل لا يمكنها تعويض حجم وكفاءة التجارة البحرية أو الإيرادات المرتبطة بها، بل قد تقتصر فائدتها على تخفيف النقص لبعض الفئات القادرة على تحمل أسعار السوق السوداء.
ويبرز هنا عامل أكثر خطورة يتمثل فى تعطيل التجارة مع الصين، التى كانت تمثل تقريبا كامل صادرات النفط الإيرانى ومصدرا رئيسيا للواردات. ويشير دادباى إلى أن الحصار عطل هذه العلاقة فى الاتجاهين، حيث لم تعد إيران قادرة على تصدير النفط أو استيراد السلع، محذرا من أن حقول النفط قد لا تستمر فى العمل لأكثر من أسابيع إذا لم يتم تصريف الإنتاج، وأن إغلاقها قد يسبب أضرارا طويلة الأمد.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ يؤكد كاهال زاده أن آثار الحرب والحصار ستستمر حتى بعد أى وقف لإطلاق النار، مشيرا إلى أن إنهاء العمليات العسكرية لن يعيد تلقائيا مستويات الدخل أو يخفف التضخم أو البطالة، كما أن قدرة الأسر على التعافى ستظل محدودة.
ويضيف أن الحكومة الإيرانية، التى تعانى بالفعل من عجز مالى وتضخم مرتفع وضعف فى القدرة الشرائية، قد تتمكن من تقديم دعم محدود لفئات معينة ذات أهمية سياسية، لكنها لن تكون قادرة على توفير حماية اجتماعية واسعة النطاق كما تتطلبه الأزمة الحالية.
وفى الخلفية، تتفاقم الأوضاع الاجتماعية، حيث اندلعت احتجاجات فى طهران أواخر العام الماضى بسبب تدهور الظروف الاقتصادية، بدأت من تجار البازار وامتدت إلى حركة أوسع، قبل أن يتم قمعها بعنف، فى أحداث أسفرت عن مقتل الآلاف، وسط اتهامات للسلطات بوجود تدخلات خارجية.
وتشير تقديرات كاهال زاده إلى أن ما بين 65 و70 فى المئة من السكان كانوا فقراء أو معرضين للفقر قبل الحرب، فيما ارتفعت نسبة الأسر تحت خط الفقر حاليا إلى ما بين 35 و40 فى المئة، مع بقاء نحو 30 إلى 35 فى المئة فى دائرة الهشاشة، ما يعنى أن نحو ربع السكان فقط يتمتعون بقدر من الحماية الاقتصادية.
ورغم هذه الضغوط، لا تزال إيران تمتلك بعض أدوات الصمود. ويقول الخبير الاقتصادى جواد صالحى أصفهانى إن البلاد غنية بالطاقة، ما يسمح لها بتأمين الحد الأدنى من احتياجات المنازل والمصانع، كما تمتلك مخزونا من السلع الأساسية يكفى لعدة أشهر، إضافة إلى حدود برية مع عدة دول يمكن أن توفر قنوات إمداد بديلة.
ويضيف أن الحكومة تعتمد أيضا على نظام تحويلات نقدية واسع يشمل شريحة كبيرة من السكان، يتيح لهم تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء، إلى جانب توفير سلع مدعومة عبر متاجر خاصة تعمل بنظام القسائم، وهو ما يساعد فى توزيع الموارد المحدودة بشكل أكثر عدالة خلال الأزمة.
سياسيا، يلفت صالحى أصفهانى إلى أن الحرب لم تؤد إلى إضعاف النظام كما كان متوقعا، بل ساهمت فى تعزيز شعبيته نسبيا باعتباره مدافعا عن البلاد، خاصة فى ظل التصريحات الأمريكية التى استهدفت إيران كدولة وحضارة، وهو ما دفع بعض المعارضين إلى تقديم أولوية الدفاع الوطنى على مطالبهم الاقتصادية.