بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاوى

مصر مهندسة المفاوضات

فى قلب منطقة تموج بالاضطرابات وتتسارع فيها وتيرة الحرب، برزت القاهرة كحائط صد دبلوماسى، باذلة جهوداً استثنائية لترميم جسور الثقة المنهارة بين واشنطن وطهران. لم يكن التحرك المصرى مجرد وسيلة لتهدئة الأوضاع، بل كان استراتيجية شاملة تهدف إلى منع انزلاق الشرق الأوسط نحو فوضى شاملة قد تعصف بمقدرات الشعوب لعقود قادمة.
مصر هى أساس الميزان فى التوازنات الإقليمية، لكن دورها فى ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية فى عام 2026 اكتسب أبعاداً جديدة. فمع وصول التوترات إلى ذروة غير مسبوقة، وتحت وطأة المخاوف من اتساع رقعة الصراع المسلح، تحركت الدبلوماسية المصرية الرئاسية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى لفتح قنوات اتصال كانت قد أغلقت تماماً.
لقد استندت مصر فى تحركها إلى مبدأ حسن النية والاحترام المتبادل، وهو ما أكده بيان وزارة الخارجية المصرية الذى رحب باستئناف المفاوضات، بل شاركت فعلياً فى تمرير الرسائل المتبادلة بين الطرفين، مستغلة علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة، وخطوط التواصل العقلانية التى حافظت عليها مع إيران. وقد شهد شهر إبريل 2026 نقطة تحول كبرى، حيث أشادت تقارير دولية من بينها موقع أكسيوس الأمريكى وكل دول العالم بالدور المحورى الذى لعبته مصر فى التوصل إلى اتفاق تعليق العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران. لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مشاورات مكثفة قادتها القاهرة بالتنسيق مع شركاء إقليميين مثل سلطنة عمان، وقطر وتركيا وباكستان. ويمكن تلخيص المنهجية المصرية فى خلق مناخ للعمل على خفض حدة الخطاب الإعلامى والتحريضى بين الطرفين كخطوة أولى لبناء الثقة. وتؤكد مصر على أن الخيار العسكرى لن يحقق استقراراً مستداماً، بل سيؤدى إلى تبعات كارثية على الاقتصاد العالمى وأمن الملاحة. كما تؤكد مصر على أن أى تفاهمات بين واشنطن وطهران لا تأتى على حساب أمن دول الخليج العربى والأردن والعراق.
وبينما يركز العالم على التهدئة العسكرية الفورية، تنظر مصر إلى جذور الأزمة. فخلال دعمها لمفاوضات تسوية الملف النووى، طرحت القاهرة رؤية متكاملة تتجاوز مجرد العودة للاتفاق. وتدعو هذه الرؤية إلى تنفيذ هدف إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية بشكل يشمل جميع دول المنطقة دون استثناء.
هذا الموقف المصرى لا يعكس فقط حرصاً على عدم الانتشار النووى، بل يعبر عن رغبة فى خلق نظام إقليمى جديد يقوم على توازن القوى لا على سباق التسلح. إن دعوة مصر لإخضاع كل المنشآت النووية فى المنطقة للرقابة الدولية تعكس شفافية ومصداقية تجعل منها وسيطاً مقبولاً من كل الأطراف الدولية. وفى ظل إدارة الرئيس ترامب والتعقيدات التى شابت الموقف الإيرانى، برزت مصر كطرف يمتلك الواقعية السياسية. فالدبلوماسية المصرية لا تقدم وعوداً وردية، بل تتحدث بلغة المصالح القومية والأمن الجماعى.
إن مصر لا تكتفى بدعم التهدئة، بل تسعى لتحويلها إلى مسار مستدام يراعى مصالح جميع الأطراف ويحقن الدماء.
ورغم بارقة الأمل التى بعثتها مصر، لا تزال الطريق محفوفة بالمخاطر. فالتصريحات المتضاربة من المسئولين فى واشنطن وطهران، والضغوط الداخلية فى كلا البلدين، تضع الوساطة المصرية فى اختبار مستمر. ومع ذلك فإن نجاح القاهرة فى تأمين هدنة شملت أيضاً جبهات أخرى مثل لبنان، أعطى دفعة قوية للاعتقاد بأن الدبلوماسية لا تزال تملك فرصة للانتصار على الرصاص.
إن مقولة مصر تبعث الأمل ليست مجرد صياغة إنشائية، بل هى واقع جسدته التحركات المكوكية فى المطارات ومكاتب الخارجية. فبينما كان العالم يترقب ساعة الصفر لحرب كبرى، كانت القاهرة تعمل بهدوء لتفكيك الصواعق.
ويبقى الرهان الآن على مدى استجابة الطرفين الأمريكى والإيرانى للرؤية المصرية، فاستقرار الشرق الأوسط لم يعد شأناً محلياً، بل هو مفتاح استقرار العالم بأسره. ومن القاهرة انطلقت الرسالة واضحة بأن الحوار هو المسار الوحيد، والسلام هو الخيار الآمن والأرخص دائماً.