كيف نعيش القيامة؟
كل عام وأنتم بخير، طالبين من الله أن يعيد علينا هذه الأيام المباركة ببركة القيامة المجيدة
< الرجاء الذى يعطينا حياة القيامة:
الذى يريد أن يحيا القيامة، ينبغى أن يحيا فى الرجاء، لأن اليأس هو موت، أما الرجاء فهو حياة وقيامة. فاليأس يقود الإنسان إلى فقدان الأمل، بل قد يدفعه أحيانًا إلى الانتحار، لأنه يرى أن الحياة فقدت قيمتها ولم يعد لها معنى. أما الرجاء، فهو الذى يمنح الإنسان القوة للاستمرار، ويجعله يدرك أن الله قادر أن يبدّل كل ضعف إلى قوة، وكل ضيق إلى مجد.
حين قُبض على السيد المسيح، شعر التلاميذ باليأس الشديد، وظنوا أن الأمر قد انتهى، فهربوا واختبأوا فى العلية، وأغلقوا الأبواب عليهم خوفًا من اليهود.
كذلك تلميذا عمواس، حين كانا يسيران مكتئبين، قالا للمسيح دون أن يعرفاه: «وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ...» (لو 24: 21). أى أن رجاءهم قد انتهى تمامًا بعد موت المسيح على الصليب، لكن عندما ظهر لهم القائم من بين الأموات، رجع إليهم رجاؤهم، وأصبح لديهم اليقين بأن الموت ليس النهاية، بل هو بداية للحياة الأبدية.
لهذه الدرجة فقدان الرجاء واليأس يُفقد الأنسان البصر والبصيرة ويصيب الفكر بالشلل!، لكن بمجرد أن ناداها الرب باسمها قائلًا «يَا مَرْيَمُ»، عرفت أنه هو، لأن صوت الرجاء أعاد إليها الحياة مرة أخرى.
فى العهد الجديد، كان هناك بعض الفلاسفة الذين فقدوا كل رجاء فى الحياة الأبدية، مثل الأبيقوريين، الذين قالوا: ««فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!»» (1 كو 15: 32)، لكن قيامة المسيح جاءت لتعلن أن الموت ليس النهاية، بل هو مجرد انتقال إلى حياة أخرى، كما نقول فى صلاة الراقدين: «لَيْسَ مَوْتٌ لِعَبِيدِكَ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ».
وعندما أدرك التلاميذ أن هناك حياة بعد الموت، تغير كل شيء، ولم يعد الموت يُرهبهم، بل صاروا يجاهرون بإيمانهم بكل قوة، حتى أن بطرس، الذى كان قد أنكر المسيح أمام جارية، أصبح يقف أمام رئيس الكهنة ويوبخه بكل شجاعة قائلًا: «يَنْبَغِى أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ». (أع 5: 29).
ولذلك أيضًا الآباء الشهداء والقديسون لم يكونوا ليحتملوا العذاب والألم لو لم يكن لديهم رجاء قوى فى الحياة الأبدية ولذلك، احتملوا الاضطهاد بصبر، لأنهم كانوا يرون المجد المعد لهم فى السماء، كما قال الرسول بولس: «لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا.» (2 كو 4: 17). أى أن كل ألم نحتمله الآن هو بسيط مقارنة بالمجد الأبدى الذى ينتظرنا.
< من يريد أن يحيا القيامة لابد أن يحيا العطاء:
الحياة فى القيامة هى حياة عطاء، فالمسيح أعطانا كل شيء جسده، ودمه، واسمه المبارك، وكلمته الحية وروحه القدوس ولم يبخل علينا بشيء.
والعطاء ثمرة من ثمار القيامة فى حياة المؤمن، ولكى نحيا القيامة بحق، ينبغى أن نحيا فى العطاء، لأن المسيح سيدنا وإلهنا، أعطانا كل شيء:
وعن هذا يقول معلمنا يولس الرسول «اَلَّذِى لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟» (رو 8: 32).
وعندما يأتى السيد المسيح فى مجيئه الثانى، سيكون العطاء هو المعيار الفاصل بين الأبرار والأشرار. كما أوضح فى إنجيل متى: «لأَنِّى جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِى. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِى. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِى. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِى. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِى. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ». (مت 25: 35-36).
العطاء هو الذى يقود إلى الحياة الأبدية، لأنه يعكس صورة المسيح فى حياتنا، ويجعلنا نعيش على مثال محبته الباذلة.
فالذى يدرك أن الحياة الأرضية زائلة ومؤقتة، يجد سهولة فى العطاء، أما الذى يتمسك بالماديات، فيصعب عليه أن يضحى أو يعطى. «لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضًا». (لو 12: 34).
واليوم أن كنا نريد أن نحيا القيامة بفرح، يجب أن يكون العطاء جزءًا من حياتنا اليومية، وذلك من خلال:
< العطاء المادي: مساعدة المحتاجين، وإعانة الفقراء، والمساهمة فى أعمال البر والخير.
< العطاء الروحي: تقديم كلمة تشجيع، أو نصيحة صادقة، أو مشاركة الآخرين بمحبة المسيح.
< العطاء من الوقت: زيارة المرضى، تعزية الحزانى، أو على الأقل قضاء وقت مع من يحتاج إلى دعم من أى نوع.