حتى تعبر مصر الأزمة الاقتصادية بسلام
تشهد مصر موجة غلاء صعبة لم ترصدها بعد مؤشرات التضخم الرسمية التى توقفت عند 13.4 فى المئة خلال شهر فبراير الماضى.
ففى الأسابيع الأخيرة، وبعد اندلاع حرب إيران الدامية، تأثرت مصر سريعًا بارتفاعات سعر البترول وتراجعت إمدادات الغاز، وزادت تكلفة الواردات والنقل، وحركت الحكومة أسعار الوقود بنسب تراوحت من 15 إلى 30 فى المئة، كما انخفض سعر الجنيه نتيجة خروج نحو خمسة مليارات دولار من استثمارات الأجانب فى الأموال الساخنة، وهو ما نتج عنه موجة غلاء كاسحة، ضربت كل الأسواق.
ولا شك أن الجميع يدرك استحالة تجنب آثار الحرب فى إيران، باعتبارها ذات تأثيرات مباشرة وقوية على سوق الطاقة، فضلًا عن حركة التجارة العالمية.
من هنا نفذت الحكومة خطط مواجهة للأزمة تنوعت بين زيادة أسعار الوقود مبكرًا، ثُم أعلنت الحكومة عن إجراءات إحترازية تستهدف ترشيد استهلاك الوقود، من خلال قرارات مؤقتة لإغلاق المنشآت التجارية مبكرًا، وتقليل ساعات العمل فى المنشآت الحكومية، لتوفير استهلاك الوقود، ووقف وإبطاء فى تنفيذ بعض المشروعات الكبرى المستهلكة للطاقة.
ومثل هذه الإجراءات مهمة وضرورية خلال الأزمات، ولكن خطاب الحكومة كان ضعيفًا وغير مقنع، كما أن التأثير على السياحة نتيجة طريقة التعامل جاء مفزعًا، وكان التماثل فى المواعيد بين المحلات والمطاعم غير موفقًا. كذلك فإن المقارنة بين دخل المواطن المصرى والأسعار فى فرنسا كان أمرًا مستفزًا.
ولا شك أن المواطن المصرى بوعيه وانتمائه وجديته وصبره هو البطل الأول الذى يتحمل الصعاب وكثير من المعاناة فى سبيل عبور الأزمات الطارئة.
وإذا كنا نتحفظ على طريقة التخاطب، فإننا نقدر شفافية الحكومة فى التعامل مع الأزمة، وندرك أن المصارحة والمكاشفة هى أول طريق المواجهة، ونعتز بحرص الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء بالتحاور مع وسائل الإعلام لعرض كل البيانات والحقائق، كما نطمئن للتنسيق القائم مع ممثلى القطاع الخاص من خلال اتحادى الصناعات والغرف التجارية باعتباره شريكًا أساسيًا فى العملية الإنتاجية والأسواق، ولكن فى الوقت ذاته فإننا فى حاجة ماسة إلى البحث عن أفكار جديدة وغير تقليدية للحد من الموجة التضخمية القادمة.
فحتى هذه اللحظة لم تجب الحكومة على أسئلة مهمة مثل: كيف يمكن الحد من غلاء الإسعار نتيجة المبالغة من التجار والموردين فى رفع الأسعار؟ وما هو الخط الفاصل بين الزيادة المتوقعة الناتجة عن آثار الحرب وتلك الزيادات الناشئة عن جشع التجار؟ وكيف نحمى المستهلكين من هذه الممارسات الخاطئة؟ وماهو الخط الفاصل بين عدم جواز التدخل فى الأسعار واحترام آليات السوق من ناحية، وحماية حقوق المستهلكين من ناحية أخري؟
وأتصور أننا فى حاجة لطرح مبادرات وطنية وتوفير حزم تمويل ميسرة ومميزة للأنشطة الصناعية والتصديرية لإنعاشها وضمان استمراريتها. كما يمكن فى الوقت ذاته منح إعفاءات ضريبية مؤقتة لبعض القطاعات الانتاجية كتحفيز لها لزيادة الانتاج وكبح الأسعار وتوفير الأمان الاجتماعى للفئات الأقل دخلًا.
ولا شك أننا نحتاج أيضًا لمعارض للسلع الأساسية تتم إقامتها فى كل المحافظات بصورة دائمة طوال فترة الحرب، برعاية الحكومة بغرض توفيرها بأسعار أقل.
وفى كل الأحوال فإن جهود مصر للتهدئة والوساطة وإيقاف الحرب يجب ألا تتوقف. لقد كان الموقف الدبلوماسى المصرى فى هذا الشأن عظيمًا ومقدرًا، ويجب استكماله وتوسيعه.
وسلام على الأمة المصرية.