بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الوفد تدق ناقوس الخطر

منظومة التتبع الدوائي بين شبهة الاحتكار وغياب الشفافية معركة مفتوحة تطالب الدولة بكشف الحساب وإنقاذ السوق"

بوابة الوفد الإلكترونية

في لحظة تتشابك فيها اعتبارات حماية صحة المواطن مع قواعد العدالة الاقتصادية، تفتح جريدة الوفد هذا الملف الشائك، وتدق ناقوس الخطر بشأن ما آلت إليه منظومة التتبع الدوائي في مصر، بعد أكثر من عشر سنوات على بدء تطبيقها، في وقت تتصاعد فيه تساؤلات مشروعة داخل القطاع حول جدوى المنظومة، وتكلفتها الحقيقية، ومدى تحقيقها للأهداف التي أُنشئت من أجلها.
فبينما انطلقت المنظومة في الأساس بهدف إحكام الرقابة على تداول الدواء ومكافحة الغش والتقليد، تشير الوقائع والتساؤلات المتراكمة إلى أن التطبيق الفعلي قد انحرف تدريجيًا عن هذا المسار، ليتحول – بحسب ما يراه عدد من العاملين والخبراء – إلى عبء اقتصادي متزايد على شركات الدواء، دون وضوح كافٍ بشأن العائد الحقيقي على مستوى حماية السوق.
وفي قلب هذه الأزمة، تبرز شبهة احتكار واضحة المعالم، حيث تم ربط منظومة التتبع عمليًا بنظام GTIN، بما أدى إلى تمكين كيان واحد هو شركة GS1 من السيطرة الفعلية على سوق الأكواد الدوائية، في ظل غياب بدائل حقيقية، وعدم إتاحة المجال أمام شركات أخرى قادرة على تقديم نفس الخدمة وفقًا للمعايير الدولية.
وتتفاقم خطورة المشهد مع ما تردد من معلومات مثيرة للقلق، تفيد بأنه رغم إعلان الجهات التنظيمية – وعلى رأسها هيئة الدواء المصرية – إتاحة الفرصة للشركات لتوليد وبيع الأكواد، فإن النظام الإلكتروني الخاص بالهيئة ومنظومة التتبع لا يقبل فعليًا سوى الأكواد الصادرة عن نفس الجهة المهيمنة، وهو ما يطرح شبهة وجود منظومة مغلقة تُدار بآليات ظاهرها التعددية وباطنها الإقصاء، ويفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بمدى وجود تنسيق أو تواطؤ يُقيد حرية المنافسة.
ولا تقف التساؤلات عند حدود هيكل السوق، بل تمتد إلى التكلفة الاقتصادية الضخمة التي تتحملها الشركات، حيث يشير العاملون بالقطاع إلى أعباء مالية متزايدة تشمل رسوم الأكواد الدولية مثل GTIN وGLN، وتكاليف الربط الفني، والتدريب، وأنظمة الطباعة التي تصل تكلفة الواحدة منها إلى عشرات الآلاف، ما يطرح سؤالًا مباشرًا: كيف تحولت منظومة لحماية المريض إلى عبء مالي قد ينعكس في النهاية على سعر الدواء؟
وفي هذا السياق، يبرز رقم صادم يفرض نفسه بقوة، حيث تشير التقديرات إلى أن إحدى الشركات الكبرى – شركة المهن الطبية – دفعت ما يقارب 45 مليون دولار مقابل خدمات مرتبطة بالأكواد، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه التكاليف، ومدى اتساقها مع كون الجهة المقدمة للخدمة تُصنف كمنظمة غير هادفة للربح، فضلًا عن التساؤل الأهم: أين تذهب هذه المليارات التي يتم تحصيلها سنويًا من شركات الدواء؟
ورغم هذه التكاليف الضخمة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا دون إجابة حاسمة: هل نجحت المنظومة بالفعل في القضاء على الدواء المغشوش؟ الواقع داخل السوق، وفق ما يطرحه المتابعون، لا يزال يشهد وجود أدوية مجهولة المصدر أو مهربة، بما يثير شكوكًا حول وجود ثغرات تقنية في النظام، أو قصور في آليات التطبيق، خاصة في ظل عدم تطوير المنظومة بالشكل الكافي على مدار سنوات.
وفي ظل هذا المشهد، تتصاعد علامات الاستفهام حول غياب المنافسة، حيث يتساءل الخبراء: لماذا يتم قصر منظومة التتبع على جهة واحدة؟ ولماذا لا يُفتح المجال أمام شركات أخرى لتقديم حلول بديلة؟ وهل يتسق ذلك مع قواعد المنافسة العادلة التي يفترض أن تحكم السوق المصري؟ ولماذا يتم – وفق ما يثار – تضمين كيان بعينه داخل الإطار التنظيمي بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
الأمر لا يتوقف عند الحاضر فقط، بل يمتد إلى المستقبل، حيث يثير المتابعون تساؤلًا أكثر عمقًا: لماذا يتم إعادة تطبيق نفس المنظومة بنفس الأدوات والآليات، رغم كل ما أُثير حولها من انتقادات؟ وهل يمكن انتظار نتائج مختلفة دون تغيير حقيقي في طريقة الإدارة أو فتح المجال أمام المنافسة والتطوير؟
وفي خضم هذه التساؤلات، تبرز قضية أكثر حساسية تتعلق بالصناعة الوطنية، إذ يُطرح تساؤل مشروع: هل يتم دعم الصناعة الوطنية بالفعل، أم تحميلها أعباء إضافية تحد من قدرتها على النمو والمنافسة؟ وهل تخدم المنظومة الحالية المواطن المصري، أم أنها تضيف تكلفة جديدة تنتقل في النهاية إلى المستهلك؟
كل هذه المعطيات مجتمعة تحوّل الملف من مجرد نقاش فني إلى معركة حقيقية على شفافية السوق وعدالة المنظومة، معركة تتطلب حسمًا واضحًا من الدولة، خاصة في ظل ما يُثار من شبهة احتكار، واحتمال وجود ممارسات تُقيد المنافسة، بل وتصل – حال ثبوتها – إلى مستوى التواطؤ المؤسسي غير المباشر.
ومن هنا، تتصاعد المطالب بضرورة إجراء كشف حساب شامل وشفاف أمام الرأي العام، يتضمن:
إجمالي الإيرادات التي تم تحصيلها من شركات الدواء خلال السنوات الماضية
أوجه إنفاق هذه الأموال بشكل تفصيلي
تقييم حقيقي لمدى نجاح المنظومة في مكافحة الغش الدوائي
مراجعة البنية التقنية لضمان الحياد التكنولوجي الكامل
وضع خطة تطوير واضحة تواكب المعايير العالمية وتفتح باب المنافسة
كما يطالب خبراء القطاع بضرورة تدخل الحكومة بشكل مباشر، لإعادة تقييم المنظومة من جذورها، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المريض، ودعم الصناعة الوطنية، وتطبيق قواعد المنافسة العادلة.
وفي النهاية، تؤكد الوفد أن هذه المعركة ليست ضد منظومة التتبع الدوائي، بل من أجل تصحيح مسارها، وضمان ألا تتحول من أداة لحماية المواطن إلى نموذج لاحتكار مقنّع يثقل كاهل السوق ويقوض ثقة المستثمرين.
المعركة الآن لم تعد تقنية فقط… بل معركة على الشفافية، وعدالة السوق، وحق المواطن في دواء آمن بسعر عادل.
والحسم لم يعد خيارًا… بل ضرورة.

 

..جدير بالذكر تواصلنا مع هيئة الدواء المصرية  للرد وحتي كتابة تلك السطور لم يصلنا الرد …