أون لاين
أمن السحابة
لم يعد الحديث عن استقطاب شركات البرمجيات العالمية إلى مصر مجرد بحث عن استثمار مباشر أو توفير فرص عمل تقليدية، بل أصبحت هذه التحالفات هى حجر الزاوية فيما يمكن تسميته بالأمن الرقمى القومى، واللقاء الأخير الذى جمع المهندس رأفت هندى، وزير الاتصالات، مع قيادات شركة «SAP» العالمية، يضعنا أمام مشهد يتجاوز حدود التعهيد، ليصل إلى عمق فكرة «السيادة الرقمية» التى تسعى الدولة لترسيخها فى عصر الحوسبة السحابية.
المتأمل فى تفاصيل هذا التعاون يدرك أن الرهان الحقيقى يكمن فى توطين البيانات، فحين نتحدث عن تعزيز السيادة الرقمية على التطبيقات والبيانات داخل خدمات السحابة، فنحن نتحدث عن حماية العقل المدبر للمؤسسات المصرية، شركة «SAP» ليست مجرد مزود حلول تكنولوجية، بل هى المحرك الذى تدور به كبرى الشركات والهيئات، ووجود تفاهمات واضحة حول استضافة هذه البيانات وإدارتها بخصائص تعتمد على الذكاء الاصطناعى داخل السوق المصرية، يعنى أننا ننتقل من مرحلة المستهلك للتكنولوجيا إلى مرحلة الشريك فى إدارتها وتأمينها.
الجانب الآخر والأكثر حيوية فى هذا اللقاء هو صناعة الكادر، لقد ولى زمن التدريب العام، ودخلنا عصر التخصص الفائق، توجه الوزارة نحو إعداد دراسة متكاملة لمتطلبات سوق العمل المرتبطة بحلول «SAP» هو اعتراف صريح بأن الفجوة بين التعليم والتشغيل لا تردم إلا بالارتباط المباشر مع عمالقة الصناعة، إن تأهيل الشاب المصرى ليكون خبيراً فى منظومات «SAP» يعنى منحه تأشيرة دخول لسوق العمل العالمية وهو فى مكانه، مما يعزز من مكانة مصر كمركز عالمى لخدمات التعهيد العابرة للحدود.
إن رسالة الوزير رأفت هندى كانت واضحة ومباشرة، مصر ليست مجرد سوق استهلاكى كبير، بل هى بيئة تشغيلية منافسة، وحين تؤكد أوجوستا سبينيلى، رئيسة منطقة EMEA بشركة «SAP»، التزام الشركة بتمكين الكفاءات الوطنية، فهذا يعكس إدراكاً عالمياً بأن المنجم الحقيقى فى مصر هو العقل البشرى القادر على استيعاب أعقد البرمجيات وتطويرها.
بناء الجمهورية الرقمية يتطلب هذا النوع من الشراكات الذكية، شراكات تضمن لنا امتلاك مفاتيح التكنولوجيا لا مجرد حق استخدامها، السيادة البرمجية هى المعركة القادمة، والتحرك نحو الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعى وبالتعاون مع الكبار، هو المسار الصحيح لضمان أن تظل بياناتنا وتطبيقاتنا تحت سيطرتنا، بينما تنطلق عقول شبابنا لغزو أسواق التكنولوجيا العالمية.