بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين نشوة التأهل وعواصف السياسة والأمن

مونديال على صفيح ساخن.. هل تُنقذ كرة القدم نسخة 2026 من عواصف السياسة والاقتصاد؟

بوابة الوفد الإلكترونية

مع كل نسخة جديدة من كأس العالم، تتجدد الحكايات، وتُكتب فصول غير متوقعة في سجل اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض. في نوفمبر الماضي، بدا المشهد وكأن كرة القدم استعادت سحرها الخالص، حين تحولت الملاعب إلى مسارح للدهشة، وامتلأت المدرجات بأصوات الحلم.

غير أن الطريق إلى صيف 2026 لم يعد مفروشًا بالعشب الأخضر وحده، بل تحيط به ظلال السياسة، وتقاطعات الأمن، وأسئلة الاقتصاد.

في جامايكا، كان التعادل السلبي كافيًا ليُحدث زلزالًا معنويًا في المنطقة، بعدما صنعت كوراساو التاريخ بتأهلها كأصغر دولة تبلغ النهائيات. لم يكن المشهد مجرد نتيجة على لوحة إلكترونية، بل لحظة تحرر رمزية لجزيرة صغيرة تحدّت حدود الجغرافيا والإمكانات. وفي الكاريبي أيضًا، استعادت هايتي بريقًا غاب نصف قرن، حين انتزعت بطاقة العبور رغم أنها لم تخض أي مباراة على أرضها بسبب الاضطرابات الداخلية. كان التأهل هناك انتصارًا للروح قبل أن يكون انتصارًا في الملعب.

أما في أوروبا، فكانت الليالي أكثر صخبًا. اسكتلندا عادت إلى كأس العالم بعد غياب طويل، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة جماهيرها، بأهداف متأخرة وقلب موازين، وكأن الكرة قررت أن تكافئ الصبر. وفي بودابست، تألقت جمهورية أيرلندا في أمسية مجنونة، قبل أن يتبدد الحلم لاحقًا في محطة نصف النهائي، لتبقى الحكاية ناقصة رغم وهج البداية.

لكن بينما كانت قصص التأهل تُكتب بالحبر العاطفي، كانت سطور أخرى تُخط بعيدًا عن المستطيل الأخضر. فنسخة 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، تبدو منذ الآن محاطة بهالة من الجدل. فالوعود التي أطلقها جياني إنفانتينو بأن “العالم بأسره مرحب به”، تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث باتت قيود السفر وإجراءات التأشيرات تمثل عقبة حقيقية أمام جماهير عدة دول.

الولايات المتحدة، التي ستحتضن النصيب الأكبر من المباريات، تعيش على إيقاع سياسات هجرة مشددة، في ظل أجندة “أمريكا أولاً”. وبات الحصول على تأشيرة سياحية تحديًا شاقًا، فيما تلوح في الأفق احتمالات منع أو تعقيد دخول جماهير من دول بعينها. يضاف إلى ذلك الجدل حول برامج الضمانات المالية المطلوبة من بعض الجنسيات، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل سيكون المونديال احتفالًا عالميًا حقًا، أم مناسبة انتقائية تُقصي جزءًا من عشاق اللعبة؟

ملف التذاكر بدوره أشعل موجة غضب. فبينما تتحدث الفيفا عن أرقام قياسية في المبيعات، يرى مشجعون ومنظمات أوروبية أن الأسعار بلغت مستويات غير مسبوقة، خاصة في المباراة النهائية. الاتهامات طالت نظام “التسعير الديناميكي”، ورسوم إعادة البيع، بل وحتى آلية طرح التذاكر المخفضة. وفي غياب رد تفصيلي من الفيفا، تتسع فجوة الثقة بين الجهة المنظمة وقاعدة اللعبة الجماهيرية.

وإذا كان الجدل الإداري والاقتصادي قابلًا للنقاش، فإن المخاوف الميدانية بدت أكثر واقعية خلال بطولة كأس العالم للأندية الأخيرة، التي عُدت بمثابة بروفة عامة. شكاوى من أرضيات ملاعب غير مثالية، ودرجات حرارة خانقة فرضت فترات تبريد، وعواصف رعدية أوقفت مباريات لساعات طويلة. كلها مؤشرات تثير تساؤلات حول الجاهزية اللوجستية لبطولة ستشهد 104 مباريات في صيف واحد.

المشهد السياسي يزيد الصورة تعقيدًا. في الولايات المتحدة، يحتدم الجدل حول دور وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في تأمين الحدث، وسط انتقادات حقوقية ومشاريع قوانين تطالب بإبعاد أي ممارسات قد تبث الخوف بين الجماهير. وفي المكسيك، تتقاطع الاستعدادات للمونديال مع تحديات أمنية مرتبطة بعنف العصابات، رغم تطمينات رسمية بخطط انتشار أمني واسع النطاق.

أما على الصعيد الدولي، فقد ألقت التوترات بين واشنطن وطهران بظلالها الثقيلة على البطولة، بعدما تصاعدت المواجهة العسكرية بين البلدين. ومع أن الفيفا تؤكد أن كرة القدم يجب أن توحد الشعوب، فإن احتمالية غياب منتخب تأهل بالفعل بسبب تداعيات سياسية أو أمنية تمثل سيناريو صادمًا يهدد جوهر المنافسة.

هكذا، يقف مونديال 2026 على مفترق طرق. من جهة، هناك قصص ملهمة لمنتخبات تحدت المستحيل وكتبت تاريخًا جديدًا. ومن جهة أخرى، تتراكم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، لتجعل النسخة المقبلة واحدة من أكثر البطولات إثارة للجدل قبل أن تنطلق.