بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الخروج من عباءة ترامب

يقول «نتنياهو» فى كتابه «مكان بين الأمم، ترجمة محمد عودة الدويرى، 1995»: «طالما لم تمتلك الدول العربية أو إيران أسلحة نووية، وطالما ظلت هذه الدول تؤمن بأن إسرائيل قادرة على إدخال السلاح النووى إلى المنطقة فى أى لحظة، ستبقى هذه الأمور موانع مهمة لردعها عن مهاجمة إسرائيل، ولكن ما الذى سيحدث لو تزودت إيران أو العراق بأسلحة نووية خلال السنوات القادمة؟ ستتغير المعادلة السياسية فى الشرق الأوسط، وستجد معظم الدول العربية تعانى من ضغط شديد للسير مع الدول العظمى الجديدة، أضف إلى ذلك، أنه سيزيد احتمال أن تبدى الجيوش العربية استعداداً أكبر لشن حرب تقليدية ضد إسرائيل طالما توفرت لها المظلة النووية الإسلامية».

كان الاقتباس السابق ضرورة للتأكيد على ما بات معلوماً للجميع؛ بأن الولايات المتحدة شنت حرباً على إيران لصالح إسرائيل؛ وأن قرارات رئيس الولايات المتحدة السابع والأربعين وسياساته الخارجية تخرج جميعها من عباءة رئيس وزراء الكيان المحتل، وأن الأهداف الأربعة التى حددها «ترامب» لهذا العدوان بتدمير قدرة إيران النووية، وتدمير قدرتها على إطلاق الصواريخ الباليستية وأسطولها البحرى، والتخلص من أذرع طهران فى المنطقة، ومن ثم الوصول إلى الهدف النهائى بتغيير النظام بالكامل، ما هى إلا أهداف «نتنياهو» وأحلامه.

والآن ومع اتساع دائرة الصراع فى المنطقة دون رجعة، وتواتر الأنباء عن وصول آلاف من مشاة البحرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط، وسط تكهنات بغزو برى لطهران، نتساءل: هل هذه الحرب فى صالح إسرائيل وأمريكا.. وهل ستنتصر الولايات المتحدة أم لا؟، يبدو السؤال ساذجاً فى ظاهره لكن عندما تأتى الإجابة من ضابط الاستخبارات الأمريكى السابق «سكوت ريتر» قبل عشرين عاماً، وهو أحد كبار مفتشى الأسلحة التابعين للأمم المتحدة فى العراق فى الفترة بين عامى 1991 و1998، ومستشاراً فى شئون الصواريخ الباليستية أثناء حرب الخليج الأولى، سنعرف حجم الكارثة التى أوشكت على الحدوث.

فى كتابه «استهداف إيران، 2006» يستشرف «سكوت ريتر» خطوات وخطورة التصعيد الذى يشاهده العالم الآن، وكانت إجابته واضحة بأنه من المحتم أن يفشل أى غزو أمريكى لإيران، لأن أمريكا لا تمتلك قوة تقليدية كافية لتنفيذ عمليات قتالية برية متواصلة فى طهران، والسيناريو الأكثر احتمالاً سيكون أشبه بالتجربة التى خاضتها أمريكا فى حرب كوريا سنة 1951. «أسفرت هذه الحرب حسب الموسوعة البريطانية عن مقتل ما يقارب مليونى كورى، و600 ألف صينى، و37 ألف أمريكى».

يسرد لنا «سكوت» تفاصيل الرد الإيرانى المتوقع لصد هذا العدوان، وما هو منطقى بطبيعة الحال، بأن أى فكرة تقول إن الشعب الإيرانى سيقف موقف المتفرج، بينما تقصف الولايات المتحدة بلده أو تحتل أرضه خاطئة على نحو مأساوى، وأن إيران سوف تبذل كل ما فى وسعها للعب بورقة النفط، لا بوقف عمليات تصدير نفطها فقط، بل بتهديد إنتاج النفط فى دول الخليج، إما عبر شن هجمات صاروخية وإما بعمليات مباشرة ينفذها عناصر من الموالين لها، وصولاً إلى إغلاق مضيق هرمز وشل حركة الإمدادات النفطية عن العالم بأسره، وما يترتب على ذلك من ارتفاع صاروخى لسعر النفط عالمياً وخروجه عن السيطرة ما يهدد بانهيار اقتصادى عالمى.

يستكمل «سكوت» ويقول: ولمواجهة تلك الكارثة، «يقصد فشل الغزو البرى»، لن يتبقى أمام الولايات المتحدة خياراً سوى تصعيد الصراع، وهو ما يعنى ضرب إيران بالأسلحة النووية وعند هذه المرحلة الفاصلة، تخرج المعادلة عن نطاق التوقعات، ويتعذر عندئذ تقدير الأضرار، ويمكن أن ينقلب مجرى التاريخ العالمى، وسيكون الضرر الذى سيلحق بالولايات المتحدة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة لأى قرار باستخدام الأسلحة النووية مهلكاً.

أما عن الشق الثانى من السؤال، فيجيب «سكوت ريتر»، وهو أحد الشخصيات المعدودة التى تحدت أكاذيب إدارة «بوش» وغالبية وسائل الإعلام حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، ويقول: إن التهديدات التى توجهها إيران لإسرائيل تهديدات كلامية صرفة، وأن طهران لا تشكل أى تهديد مباشر لأمن إسرائيل بما يبرر القيام بأى عمل عسكرى استباقى، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالبرنامج النووى الإيرانى، قال «سكوت» هذا الكلام بعد أن وصف نفسه بأنه ضابط سابق فى مشاة البحرية الأمريكية عرض حياته للخطر واقفاً على خط الدفاع عن إسرائيل، وكونه صديقاً مخلصاً لتل أبيب «على حد تعبيره»، ناصحاً بوجوب كبح الرغبة الإسرائيلية بالدخول فى نزاع مسلح مع طهران، مؤكداً أن إيران هى القضية الوحيدة التى يمكن أن تدمر أمريكا فى السنين القادمة.

الخلاصة: جميع مؤشرات الصراع تقول إن «ترامب» يسير بجنون نحو توجيه ضربة نووية إلى إيران، رافعاً شعار «الرب يريد ذلك»!

أخيراً: انطلاقاً من مبدأ المصالح التى لا تعترف سياسات الدول إلا بها، وبعدما بات جلياً أن «ترامب» دخل مصيدة «نتنياهو» دون رجعة مطيعاً لأوامره منفذاً لرغباته، على العرب جميعاً الخروج من عباءة هذا الموتور الذى يقود العالم إلى الجحيم قبل فوات الأوان.

 

[email protected]