ترامب استراحة محارب ام صانع سلام
في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن محادثات مثمرة للغاية مع إيران تتحدث التقارير عن حشود عسكرية أمريكية غير مسبوقة في المنطقة هل نحن أمام رجل يسعى بصدق لاتفاقية سلام أم أن الأمر مجرد استراحة محارب يجمع خلالها قواته استعدادا للمرحلة المقبلة لقراءة شخصية ترامب وتاريخه في الصفقات يبدو أن الإجابة أقرب إلى الخيار الثاني ترامب كما عرفناه فن الصفقة ليس فن الدبلوماسية لكي نفهم تعامل ترامب مع إيران يجب أن نعود إلى كتابه الاكثر مبيعا فن الصفقة الصادر عام 1987 والذي يظل بمثابة البوصلة التي تفسر تصرفاته حتى اليوم في هذا الكتاب لا يخفي ترامب فلسفته اضع أهدافا عالية جدا ثم أواصل الضغط والضغط والضغط للحصول على ما أريد هذه الفلسفة تحولت إلى ما يصفه المحللون بأنه أسلوب تفاوضي قائم على الفوضى والترهيب وليس على التوافق والشراكة إنها نزعة قتالية تهدف إلى إجبار الخصم على الاستسلام وليس الوصول إلى حلول وسط منذ عودته إلى البيت الأبيض لم يخف ترامب ازدراءه للدبلوماسية التقليدية وصف أسلوب تعامله مع القادة العالميين بأنه نرجسي متجاوز غير متوقع فظ وغير أمين هذا ليس مجرد رأي سياسي بل هو وصف لمنهج يعتبر أن الاتفاقيات ليست سوى اداة لتحقيق الهيمنة من نيويورك إلى الخليج قصة صانع صفقات لا يعرف السلام إذا نظرنا إلى تاريخ ترامب في عالم الأعمال نجد أن هذا النهج القتالي هو طبيعته الحقيقية ففي الثمانينيات عندما أراد الاستحواذ على فندق هوليداي إن اشترى حصة صغيرة في الشركة ثم هدد بإطلاق عملية استحواذ عدائية فقط ليحقق أرباحا سريعة من بيع الأسهم وعندما أراد بناء برج ترامب في مانهاتن رفع دعوى قضائية ضد مدينة نيويورك مرتين متتاليتين وليس لأنه كان بحاجة للمال ولكن لأنه كان يرفض فكرة الظهور بمظهر الضعيف يقول ترامب في كتابه يجب أن تتخذ موقفا وإلا سيدوسك الناس هذه الشخصية التي لا تؤمن بالهزيمة أو التراجع هي التي تقف اليوم خلف طاولة المفاوضات مع إيران. المفاوضات التي وصفها ترامب مؤخرًا بأنها وصلت إلى اتفاق شبه كامل بينما ينفي الإيرانيون حتى وجود محادثات رسمية
استراحة محارب السيناريو المتكرر مع الخصوم
ما يحدث اليوم في الملف الإيراني يحمل بصمات واضحة لسيناريو متكرر في شخصية ترامب التهديد ثم التصعيد ثم وقف تكتيكي يجمع فيه القوة قبل الضربة القاصمة في الأيام الأخيرة، أعلن ترامب عن تأجيل الهجمات المخطط لها على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام مدعيا أن المحادثات كانت جيدة ومنتجة لكن في الوقت نفسه تتحدث التقارير عن نشر الاف الجنود الإضافيين بما في ذلك وحدات من فرقة 82 المحمولة جوا بالإضافة إلى أسراب إضافية من الطائرات المقاتلة هذه الازدواجية ليست جديدة ففي قضية غرينلاند أعلن ترامب عن اتفاق إطاري مع الدنمارك لكن المفاوضات ما زالت جارية حتى اليوم وفي ملف أوكرانيا بدا متأرجحًا بين مواقف مناهضة لروسيا وأخرى تبدو أقرب إلى المطالب الروسية ما يحدث هو ما وصفته صحيفة وول ستريت جورنال بأنه ضباب الدبلوماسية أو بتعبير أدق تكتيك ترامب المفضل إبقاء الخصم في حالة من عدم اليقين المستمر الهدف ليس الاتفاق بل الاستسلام في خطابه عن حالة الاتحاد الأخير وضع ترامب شروطه لإيران بوضوح لن يسمح بأن تمتلك إيران سلاحا نوويا لكن الشروط المطروحة في مسودة الاتفاق المكونة من 15 نقطة تتجاوز بكثير ما كان موجودا في الاتفاق النووي السابق وتطالب عمليا بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل هذه ليست لغة تفاوض بل لغة إنذار نهائي وهو ما يذكرنا بما كتبه في كتابه عن التعامل مع المنافسين أحيانا جزء من إبرام الصفقة هو التقليل من شأن منافسك الاكاديمي هارش فى بانط يصف ما يحدث بأنه استمرار للصراع بوسائل مختلفة وليس تحولا من الحرب إلى السلام إنها محاولة لترجمة التفوق العسكري إلى إغلاق دبلوماسي ترامب والخصوم ماذا عن القادة الأقوياء من اللافت للنظر أن ترامب يبدو أكثر انضباطا واحتراما في تعاملاته مع القادة الذين يعتبرهم أقوياء مثل فلاديمير بوتين وشي جين بينغ بينما يطلق العنان لتهكمه وعبثيته مع الحلفاء الغربيين أو الخصوم الأضعف هذا يشير إلى أن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها وعندما يشعر أن خصمه في موقف ضعف يتحول إلى قاتل بدم بارد لا يترك فرصة إلا واستغلها الخلاصة درس في قراءة الشخصية ما يقدمه ترامب على أنه صفقة سلام هو في الواقع هدنة تكتيكية يجمع خلالها القوات ويعيد ترتيب أوراقه إنه استراحة محارب وليس انفتاحًا على السلام
شخصية ترامب القائمة على الترهيب وعدم الاعتراف بالهزيمة والنظرة القتالية للعلاقات تمنع أي احتمال لاتفاق حقيقي قائم على الاحترام المتبادل كل ما يمكن أن تقدمه هو استسلام وليس اتفاقا المشكلة أن إيران بتاريخها الطويل في الصمود لا تبدو مستعدة لهذا السيناريو والمفارقة أن ترامب نفسه كتب في كتابه أحيانًا بخسارة معركة تجد طريقة جديدة لربح الحرب يبقى السؤال من سيكون الخاسر الحقيقي في هذه المعركة
وكيل كليه العلوم الطبية التطبيقية بجامعة ٦ اكتوبر عضو مجلس علماء مصر