خارج السطر
دولة الفنون التى نتمناها
«ثمة أنباء ترفع الضغط وأخرى ترفع الرأس» كما يقول الشاعر محمد الماغوط منبهاً. ففى ظل أجواء القصف والعصف وعواصف الخوف، يستمسك الناس بكل فكرة محمودة، ومبادرة رائدة، مستبشرين ومعضدين وداعمين سعياً لمنافع تتحقق لأجيال قادمة.
ومما يسر فى هذا التوقيت الضبابى المخيف أن تطل الدولة المصرية كحاضنة أمل، وباعثة طمأنينة، وراسمة آفاق، لتطلق مبادرة لدولة «الإبداع والفنون» على غرار «دولة التلاوة»، بهدف بعث جيل جديد من صناع الجمال الإبداعى، وترسيخ قيم التحضر، ونشر الثقافة، وإيقاظ القوى الناعمة لمصر التحضر والنبوغ عربياً وعالمياً، وهى تلك القوى التى ظلت ناعسة عقوداً وعقود.
فكما كتبت من قبل، فإن الفنون والإبداع والثقافة ليست ترفاً أو رفاهية، فقصيدة واحدة ساحرة أعظم من سفارة عامرة، وفيلماً بديعاً أبقى وأكثر تأثيراً من مؤتمرات واجتماعات رسمية. وبأغنية جميلة يرددها الناس، وبلوحة مبهرة تختطف اللحاظ، وبمسرحية كوميدية ترسم البسمات، تترسخ قيم وتشحذ همم، وتضاء دروب.
الفن هو أعظم سلاح وأفضل ماكينة تغيير لسلوكيات البشر فى كل مكان.
وحسبنا أن مصر عامرة ومتميزة بكوادرها من الكتاب، الشعراء، الموسيقيين، السينمائيين، المخرجين، والفنانين، وقادرة على الدخول إلى كل بيت، ومخاطبة كل صاحب عقل وحس، وتعويض غياب، وتفتت، وإهمال طال سنينا.
تذكروا معى أن أجيالاً وأجيالاً فى عالمنا العربى فهمت قضية فلسطين مبكراً بفضل فيلم «فتاة من فلسطين» الذى أنتج عام 1948، وما تلاه من أفلام فى الخمسينيات مثل «أرض الأبطال» و«أرض السلام»، وأدركت كفاح الشعب الجزائرى للتحرر من الاستعمار بفضل فيلم «جميلة بوحيرد»عام 1960. كما سلطت السينما المصرية الضوء على شخصيات مبهرة عاشت رموزاً للمجد والكرامة مثل صلاح الدين الأيوبى بفيلم «الناصر صلاح الدين» 1963.
ورسخت الدراما والمسرحيات والروايات، والفنون عموما قيم الحرية والعدل والأمل والصمود والتكافل والأمانة والشرف، وإغاثة المنكوب، وتقبل الآخر، واحترام المرأة.
إننا نسعى إلى التقدم وهذا حقنا كشعب وأمة ذاقت الحضارة وصنعت الأمجاد قبل آلاف السنين، والكاتب البريطانى برنارد شو يقول «إن التقدم مستحيل بدون تغيير للعقول» وهو ما يتأتى إلا بأدوات تغيير حقيقية.
ويترك لنا صديقنا الشاعر اليقظ محمود درويش بيتاً شعرياً يقول «أنا من تقول له الحروف الغامضات: اكتب تكن واقرأ تجد.. وإذا أردت القول فافعل .. يتحد ضداك فى المعنى وباطنك الشفيف هو القصيد».
فما يصح وما يجب وما ينبغى هو أن تتحول مبادرة دولة الثقافة والفنون إلى ثورة حقيقية، تتجاوز التصريحات والصور التذكارية، وتفتح الأبواب والنوافذ المغلقة أمام العقل لينتج والخيال ليتدفق فى إطار التعاطفى مع قضايا الإنسان فيما بعد الذكاء الاصطناعى والحروب البيولوجية.
إن وعى البشر هو الحصن الأهم للدول، خيالهم وقراءتهم للحياة، فقوة الأمم وحضورها يستندان على قدرتها على التأثير فى المحيطين، فى الآخرين.
ونحن نستطيع لأننا فعلنا من قبل.
والله أعلم
HYPERLINK «mailto:[email protected]» [email protected]