إطلالة
فشل في إدارة الأزمات
الحالة التي شاهدتها الساحة التعليمية اليوم من الجدل والارتباك الشديدين، عقب تضارب القرارات المتعلقة بتعليق الدراسة في ظل سوء الأحوال الجوية، أثار حالة واسعة من الاستياء بين أولياء الأمور والطلاب على حد سواء. فقد استيقظ المواطنون في ساعات الصباح الأولى على أجواء غير مستقرة، تخللتها أمطار غزيرة ورياح قوية، ما دفع الكثيرين للتساؤل حول مصير اليوم الدراسي، خاصة مع تزامنه مع موعد الامتحان الشهري الذي أقرته وزارة التربية والتعليم.
ورغم الظروف الجوية القاسية، حرص عدد كبير من أولياء الأمور على إرسال أبنائهم إلى المدارس، خوفاّ من تأثير الغياب على مستقبلهم الدراسي، خاصة أن الامتحانات تمثل جزءاً هاماً من التقييم المستمر للطلاب. هذا القرار لم يكن سهلا،ً إذ واجهت الأسر صعوبات حقيقية في التنقل، بدءاً من ازدحام الطرق وتعطل وسائل النقل، وصولاً إلى المخاطر المرتبطة بالسير في شوارع غمرتها المياه.
وفي المقابل، فوجئ البعض بقرارات متأخرة أو متضاربة بشأن تعليق الدراسة، حيث أعلنت بعض الجهات التعليمية في مناطق معينة تعطيل الدراسة بعد بدء اليوم بالفعل، بينما استمرت الدراسة في مناطق أخرى دون تغيير. هذا التضارب خلق حالة من الفوضى، وطرح تساؤلات جدية حول آليات اتخاذ القرار ومدى التنسيق بين الجهات المعنية.
المشكلة تكمن في غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة يضعهم في مواقف صعبة، ويجبرهم على اتخاذ قرارات مصيرية في وقت قصير ودون معلومات واضحة. فبين الخوف على سلامة الأبناء والحرص على مستقبلهم الدراسي، وجد أولياء الأمور أنفسهم أمام معادلة معقدة.
ويبدو أن المشكلة لا تكمن فقط في توقيت القرارات، بل تمتد إلى غياب خطة واضحة للتعامل مع الأزمات الجوية، خاصة في ظل تكرار مثل هذه الظروف خلال السنوات الأخيرة. فبدلاً من وجود سيناريوهات مسبقة وخطط بديلة، يتم التعامل مع كل حالة بشكل منفصل، ما يؤدي إلى تكرار نفس الأخطاء.
وأنا أري أن المسؤولية الأكبر تقع علي هيئة الأرصاد الجوية ، فالتوقعات الجوية التي تصدر عنها غالباً ما تكون غير دقيقة أو لا تعكس حجم التأثير الفعلي للطقس. هذا القصور في التنبؤ ينعكس بشكل مباشر على قرارات الجهات التنفيذية، التي تعتمد بشكل أساسي على هذه البيانات في تحديد الإجراءات المناسبة. فتحسين دقة التوقعات الجوية يجب أن يكون له أولوية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، والتي تجعل من الظواهر الجوية أكثر تقلباً وشدة. ولا بد من تطوير قنوات التواصل بين هيئة الأرصاد وباقي مؤسسات الدولة، لضمان وصول المعلومات في الوقت المناسب وبالشكل الصحيح.
وأعتقد أنه حان الوقت للقيام بعمل غرفة عمليات موحدة تضم ممثلين عن وزارات التعليم، والنقل، والتنمية المحلية، وهيئة الأرصاد الجوية، بحيث يتم اتخاذ قرارات سريعة ومدروسة بناء على معطيات دقيقة ومحدثة. فهذا التنسيق يقلل من حالة الارتباك، ويعزز ثقة المواطنين في القرارات الحكومية.
كما أن استخدام التكنولوجيا يمكن أن يلعب دوراً مهماً في هذا الإطار، سواء من خلال تطبيقات ذكية تنبه المواطنين بحالة الطقس، أو منصات رسمية تعلن القرارات بشكل فوري وموحد، ما يحد من انتشار الشائعات والمعلومات المتضاربة.
فما حدث اليوم يعكس خللاً واضحاً في منظومة إدارة الأزمات، ويؤكد على ضرورة إعادة النظر في آليات التنسيق والتواصل بين الجهات المختلفة. فسلامة المواطنين، وخاصة الطلاب، يجب أن تكون على رأس الأولويات، ولا ينبغي أن تكون محل اجتهاد أو تخمين.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الأزمة درساً مستفاداً، يدفع نحو تطوير السياسات وتحسين الأداء، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه المشاهد مستقبلاً، ويحقق التوازن بين الحفاظ على العملية التعليمية وضمان أمن وسلامة الجميع.