الاقتصاد الصيني يواصل نموه رغم التغيرات المفاجئة في أسواق الطاقة
أكد التحليل الاقتصادي لبنك قطر الوطني QNB أن الاقتصاد الصيني سيواصل نموه رغم التغيرات المفاجئة في أسواق الطاقة العالمية وفي بداية العام، كانت نظرة QNB إلى آفاق الاقتصاد الصيني إيجابية.
فعلى الرغم من التوقعات بتباطؤ النمو بشكل طفيف، كان من المتوقع أن تساهم قوة الصادرات، ومتانة الطلب المحلي، والتحسينات المستمرة في الإنتاجية، في الحفاظ على النمو الاقتصادي قريباً من نسبة 5% المستهدفة من قِبل الحكومة لعام 2026.

إلا أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة التي تؤثر على توافر الطاقة وأسعارها عالمياً قد شكلت تحدياً لهذه النظرة الإيجابية نسبياً.
ونظراً لأن الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، فقد أعرب المستثمرون والمحللون عن مخاوفهم من أن الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة العالمية قد يُؤثر سلباً على نشاط الاقتصاد الصيني.
ويري QNB أن هذه المخاوف مبالغ فيها. فبينما ستؤدي أسعار الطاقة المرتفعة حتماً إلى زيادة فاتورة واردات الصين، إلا أن الاقتصاد الصيني يتمتع بوضع هيكلي أفضل من معظم الاقتصادات الكبرى الأخرى لاستيعاب مثل هذه الصدمات.
وحدد التقرير ثلاثة عوامل رئيسية تُفسر هذه المرونة النسبية.
أولاً، يتميز قطاع التصنيع في الصين باستقرار أكبر واعتماد أقل على المحروقات (النفط والغاز الطبيعي) مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة. يعتمد توليد الكهرباء في الصين بشكل كبير على الفحم، ويتزايد اعتماده على مصادر الطاقة المتجددة بدلاً من المحروقات المستوردة. ورغم الجهود التي تبذلها الصين لتقليل مساهمة الفحم في مزيج الطاقة، إلا أنه لا يزال المصدر الرئيسي لتوليد الطاقة في البلاد، ويُشكل ركيزة أساسية لأمن الطاقة المحلي. يتم تلبية حوالي 90% من استهلاك الصين من الفحم محلياً، مما يمنح صانعي السياسات سيطرة كبيرة على توافر الطاقة وشروط التسعير. علاوة على ذلك، فإن تركيبة وهيكلة واردات الصين من الغاز تحميها من تقلبات الأسعار على المدى القصير. ويصل ما يقرب من نصف واردات الصين من الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب من الدول المجاورة، ولا سيما تركمانستان وروسيا، بموجب تعاقدات طويلة الأجل تمتد لعقود. ومن الجدير بالذكر أن بعض استهلاك الصين من النفط مدمج أيضاً في الصناعات التحويلية الموجهة للتصدير. وهذا يعني أنه يمكن في نهاية المطاف تمرير جزء من الزيادة في تكاليف الطاقة إلى المستهلكين الأجانب عبر أسعار التصدير، مما يخفف العبء على الشركات والأسر المحلية. ونتيجة لذلك، عادة ما يكون لتقلبات أسواق النفط والغاز العالمية تأثيراً محدوداً على تكاليف الطاقة الصناعية في الصين مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على المواد الهيدروكربونية المستوردة.

ثانياً، يُسهم هيكل النقل والاستهلاك المنزلي في الحد من تأثر الصين بصدمات أسعار النفط. فنسبة امتلاك الأفراد للسيارات في الصين لا تزال أقل بكثير من مثيلاتها في الاقتصادات المتقدمة. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت الصين بكثافة في البنية التحتية البديلة للنقل، بما في ذلك شبكات السكك الحديدية فائقة السرعة وأنظمة النقل العام الحضرية واسعة النطاق. وتقلل هذه الاستثمارات من أهمية استخدام السيارات الخاصة في نقل الركاب والبضائع على حد سواء. في الوقت نفسه، وسّعت الصين نطاق استخدام السيارات الكهربائية بسرعة، مما يقلل بشكل مطرد من اعتماد الاقتصاد على البنزين والديزل. وتساهم هذه العوامل الهيكلية مجتمعة في الحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط على الأسر والاقتصاد ككل، مما يحمي الدخل المتاح للإنفاق.
ثالثاً، راكمت الصين احتياطيات كبيرة من النفط الخام والتي توفر حماية إضافية ضد تقلبات الأسعار العالمية. ورغم أن الحكومة لا تفصح عن الأرقام الرسمية، تشير معظم التقديرات إلى أن الاحتياطيات الاستراتيجية والتجارية تقدر بنحو 1.3 مليار برميل، أي ما يعادل تغطية الواردات لمدة أربعة أشهر تقريباً. وقد تم إنشاء معظم هذه المخزونات في وقت كانت فيه أسعار النفط العالمية أقل بكثير، ويمكن استخدامها خلال فترات اضطراب السوق. وأبدت السلطات الصينية في السابق استعدادها لتخصيص أجزاء من هذه الاحتياطيات للحد من تأثير ارتفاع الأسعار العالمية على المستهلكين والشركات المحلية.
تشير هذه السمات الهيكلية مجتمعة إلى أن الاقتصاد الصيني من المرجح أن يتسم بمرونة نسبية حتى في ظل استمرار اضطراب أسواق الطاقة. ورغم أن ارتفاع أسعار الطاقة سيزيد من تكاليف الاستيراد وقد يساهم في ارتفاع التضخم، إلا أن تأثيره الكلي على نمو الاقتصاد الصيني سيظل محدوداً مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى.
بشكل عام، يري QNB أنه لا تزال آفاق النمو في الصين متماسكة إلى حد كبير، على الرغم من تزايد حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية نتيجة للصدمات الجيوسياسية. ويُعد تنوع مزيج الطاقة، وانخفاض اعتماد قطاع النقل على النفط، والاحتياطيات الاستراتيجية الكبيرة، من العوامل الهامة لتخفيف تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية. وتشير هذه المزايا الهيكلية إلى أن الصين في وضع أفضل من العديد من نظيراتها لمواجهة التغيرات الحالية المفاجئة في أسواق الطاقة، مع الحفاظ على معدلات نمو قريبة من الأهداف المحددة في السياسيات الاقتصادية.