بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

*آفاق التحول المصري لمركز إقليمي للدبلوماسية*

بين صرخة الطفل الفلسطيني عبد الله كحيل وطاولات المفاوضات المعقدة في القاهرة، خيط رفيع يفسر محددات السياسة الخارجية المصرية الجديدة. فاستجابة الرئاسة المصرية الفورية لنقل وعلاج الطفل لم تكن لفتة إنسانية فحسب، بل هي تجسيد لمبدأ المسؤولية الإقليمية الشاملة.

نحن أمام دولة تعيد تعريف دورها من لاعب مشارك إلى مركز ثقل ضامن، يمزج بين السياسة الهادئة في محيط مشتعل، وبين تلاحم الإغاثة بالقرار السياسي.

كما إن الخطوط الحمراء التي رسمتها القاهرة في ليبيا والسودان لم تكن مجرد جدران صد، بل كانت أدوات لفرض واقع يرفض مشاريع التقسيم. والمفارقة النوعية هنا تكمن في قدرة صانع القرار المصري على الحفاظ على صرامة الموقف دون الانزلاق إلى عداء صفري، فلم تنقطع شعرة معاوية مع الغرب الليبي، ولم توصد الأبواب أمام أطراف النزاع السوداني.

هذا الهدوء الاستراتيجي يعكس فلسفة ترفض القطيعة وتؤمن بأن القوة الرشيدة هي التي تترك دائما مساحة للحلول السياسية.

ولم تكن عودة العلاقات المصرية التركية أو الشراكات المتجذرة مع دول الخليج عائقا أمام سياسة تعدد المسارات. فقد أثبتت الخارجية المصرية براعة في خفض التصعيد الإقليمي عبر قنوات مفتوحة في غزة، تعاود استخدامها في الحرب الإيرانية، دون أن يكون ذلك على حساب الالتزام التاريخي بأمن الأشقاء في الخليج العربي. هذا التوازن ليس مناورة تكتيكية، بل هو نتاج قدرة مؤسساتية تنسق فيها الجهود المعلوماتية مع العقول الدبلوماسية في سيمفونية منضبطة.

إن هذا الحراك ليس استجابة لحظية لإيقاع الأزمات، بل هو حصاد إعادة تموضع استراتيجي استثمرت فيه الدولة مقوماتها الجغرافية كمركز إقليمي للطاقة، وممر ملاحي لا غنى عنه، لتعيد صياغة معادلات القوة وفق منطق المصلحة المتبادلة. هذه الثوابت مدعومة بالقوة الخشنة الرشيدة، والقوة الناعمة المتغلغلة عبر مؤسسات كالأزهر والفن والثقافة، التي منحت الدبلوماسية الرسمية أفضلية وجدانية تسهل تحويل التوافقات إلى واقع ممكن ومتاح.

ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لهذا التمدد الدبلوماسي المبهر يكمن في قدرة الدولة على تحويل رصيد الثقة الدولي إلى عوائد ملموسة للملفات الوطنية العالقة. فالقبول الدولي الذي تحوزه القاهرة الآن هو رصيد سياسي يجب استثماره  بقدرة عالية لحسم ملفات الأمن القومي المائي، وعلى رأسها إيجاد حل جذري وملزم لأزمة سد النهضة.

فالدبلوماسية التي تطفئ حرائق الإقليم، هي ذاتها المطالبة بصياغة معادلة أمنية تحمي شريان قناة السويس من تقلبات الحروب بالوكالة في البحر الأحمر. وبذات المنطق، فإن بناء جسور الثقة مع القوى الكبرى لابد أن يترجم إلى تدفقات استثمارية تعزز صمود الاقتصاد الوطني، فالدبلوماسية القوية في الخارج تستمد ديمومتها من جبهة داخلية صلبة اقتصاديا واجتماعيا.

لذا فإن الصعود المصري كمركز ثقل إقليمي بات ضرورة جيوسياسية لتصحيح المسارات المنحرفة في المنطقة. وبينما يغرق الشرق الأوسط في أزمات متعددة ومركبة، تبرز الرؤية المصرية كعنصر توازن يفكك حزم الصراعات.  ويسهم في صياغة مستقبل المنطقة بشكل لن يكتمل بمعزل عن ثقل القاهرة، التي أثبتت التجربة أن دورها المحوري هو الضمانة الوحيدة للحيلولة دون الانزلاق نحو المجهول.