الحرب التي لا تملك إيران أدوات حسمها ؛؛؛ بل تجيد إطالتها
في عالم الحروب التقليدية، يكون الهدف واضحا ً: تحقيق النصر، كسر العدو، وفرض شروط النهاية ؛ لكن في بعض الصراعات المعقدة، لا يكون الانتصار هو الهدف الحقيقي، بل يصبح الزمن ذاته هو السلاح.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أخطر الفرضيات التي تفرض نفسها على المشهد الحالي في الشرق الأوسط:
هل تخوض إيران حربا ً لا بهدف الفوز بها، بل بهدف إطالتها؟
قد يبدو السؤال غريبا ً في ظاهره، لكنه في جوهره يعكس منطقا ً استراتيجيا ً مختلفا ً، لا يقيس النجاح بنتيجة المعركة، بل بكلفة استمرارها.
فإيران، بخلاف كثير من الدول، لا تبني عقيدتها القتالية على الحسم السريع، بل على “النفس الطويل”.
وهي تدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع قوة كبرى مثل الولايات المتحدة لا يمكن أن يُحسم تقليديا ً لصالحها، لكنها في المقابل تراهن على عنصر آخر أكثر خطورة وهو الاستنزاف .. الذي لا يعني فقط استنزافا ً عسكريا ً. بل استنزافا ً اقتصاديا ًوسياسيا ً ونفسيا ً.
فكل يوم إضافي في الحرب يعني ضغطا ً على أسواق الطاقة، وارتباكا ً في سلاسل الإمداد، وتوترا ً في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على الداخل الغربي، خاصة في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة.
وفي قلب هذه المعادلة، يظل مضيق هرمز أحد أخطر الأوراق.
فليس مطلوبا ً إغلاقه بالكامل فيكفي تهديده، أو تعطيله جزئيا ً، لرفع تكلفة الحرب على العالم كله، وليس على طرف بعينه.
وهنا يتحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى “معركة تكلفة”.
من يستطيع أن يتحمل أكثر؟
ومن يمكنه أن يصمد أطول؟
في هذا النوع من الحروب، لا تُقاس النتائج بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بقدرة المجتمعات على الاحتمال، وهنا تحديدا ً تكمن المفارقة.
فالدول الغربية، رغم تفوقها العسكري، تعاني من حساسية عالية تجاه الكلفة الاقتصادية والبشرية للحروب الطويلة، حيث يصبح الرأي العام عامل ضغط حقيقي على صانع القرار.
بينما تمتلك إيران نموذجا ً مختلفا ً، يعتمد على تقبّل الضغوط، وإدارة الأزمات داخلياً، ولو على حساب مستوى المعيشة.
الأخطر من ذلك، أن إطالة أمد الحرب لا تعني فقط إنهاك الخصم المباشر، بل تعني إعادة تشكيل توازنات دولية بالكامل.
فكلما طال الصراع، زادت فرص صعود قوى أخرى على حساب القوى التقليدية.
هنا تحديدا ً يظهر دور روسيا والصين.
روسيا التي تستفيد من أي اضطراب في سوق الطاقة، والصين التي تراقب استنزاف خصمها الاستراتيجي دون أن تدخل المواجهة المباشرة.
وبذلك، تتحول الحرب من صراع إقليمي إلى نقطة ارتكاز في صراع دولي أكبر، تتداخل فيه المصالح وتتقاطع فيه الحسابات.
لكن؛ هل هذا السيناريو مضمون النجاح؟
الإجابة ببساطة: لا
لأن إطالة الحرب سلاح ذو حدين .. فكما يمكن أن تستنزف الخصم، يمكن أن تستنزف الداخل أيضا ً، خاصة ً إذا تجاوزت الضغوط حدود القدرة على الاحتمال.
كما أن الرهان على انهيار الخصم سياسيا ً أو اقتصاديا ً ليس دائما ً مضمون النتائج، وقد يؤدي التصعيد غير المحسوب إلى ردود فعل أعنف، تغير قواعد اللعبة بالكامل.
ومع ذلك، يبقى هذا النمط من التفكير هو الأكثر خطورة .. لأنه لا يسعى إلى إنهاء الحرب، بل إلى إدارتها.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
هل نحن أمام حرب إذا بدأت لن تنتهي سريعا ً أم أمام مرحلة جديدة من الصراعات، يكون فيها “الزمن” هو السلاح الحقيقي؟