بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

وهم التماثل- لماذا تختلف هافانا عن كاراكاس؟

في ظل المتغيرات المتسارعة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه دول أمريكا اللاتينية، تبرز إشكالية المقارنة بين الحالة الكوبية والفنزويلية كواحدة من أكثر القضايا جدلاً في دوائر صنع القرار. يعتقد البعض في الإدارة الأمريكية الحالية أن النجاح في "تغييرالنظام" أو ممارسة الضغوط القصوى في فنزويلا يمكن استنساخه بحذافيره في كوبا، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول دقة هذا التصور الفني والسياسي.

تستند الرؤية التي تعتبر كوبا "فنزويلا أخرى" إلى مبدأ "حجر الدومينو"، حيث يُنظر إلى انهيار النظام في فنزويلا كتمهيد آلي لسقوط النظام في كوبا بسبب انقطاع إمدادات النفط الحيوية. ومع ذلك، يغفل هذا التحليل تفاصيل فنية وهيكلية بالغة الأهمية: 1. تجذر المؤسسة العسكرية والأمنية: في فنزويلا، عانى النظام من انقسامات داخلية وتدخلات خارجية، بينما تمتلك كوبا جهازاً أمنياً وعسكرياً يُعد من الأكثر تماسكاً واحترافية في المنطقة. العقيدة العسكرية الكوبية مرتبطة بمفهوم "حرب الشعب بالكامل"، مما يجعل أي محاولة للتدخل المباشر أو التغيير السريع من الداخل أمراً بالغ التعقيد مقارنة بالحالة الفنزويلية. 2. الإرث الأيديولوجي والشرعية التاريخية: بينما قامت "البوليفارية" في فنزويلا على كاريزما القيادة (تشافيز ثم مادورو) والريع النفطي، تعتمد كوبا على إرث ثوري يمتد لسبعة عقود. هذا الإرث خلق بنية اجتماعية وسياسية قادرة على تحمل "الفترات الخاصة" والأزمات الاقتصادية الحادة دون انهيار هيكلي سريع، وهو ما لم تختبره فنزويلا بنفس القوة. 3. طبيعة الاقتصاد والاعتمادية: تعتمد فنزويلا بشكل شبه كلي على تصدير النفط، مما جعلها عرضة للانهيار مع العقوبات وانهيار الأسعار. أما كوبا، فبالرغم من فقرها الموارد، إلا أنها طورت اقتصاداً قائماً على "تصدير الخدمات" (مثل البعثات الطبية) والسياحة، ولديها قدرة تاريخية على التكيف مع الحصار (Embargo) استمرت منذ الستينات، من خلال أدوات الضغط الأمريكي الحالية، تستخدم واشنطن حالياً عدة محاور تقنية للضغط على هافانا، معتقدة أنها ستؤدي لنفس نتائج كاراكاس:

  • الحصار الطاقي: اعتراض السفن الناقلة للنفط من فنزويلا إلى كوبا.
  • تفعيل البند الثالث من قانون هيلز-بيرتون: الذي يسمح لمواطني الولايات المتحدة برفع دعاوى قضائية بشأن الممتلكات التي صادرتها الحكومة الكوبية.
  • الحرب السيبرانية والإعلامية: استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتأجيج السخط الشعبي، مستغلة الانفتاح الرقمي النسبي الأخير في الجزيرة.

سبل تعظيم الفائدة (لصناع القرار والمحللين)، لتحقيق أقصى استفادة من فهم هذا الواقع، يجب اتباع الاستراتيجيات التالية:

  1. التحول من "تغيير النظام" إلى "التحول الهيكلي": البدء بدعم القطاع الخاص الناشئ في كوبا (المشاريع الصغيرة والمتوسطة) بدلاً من الخنق الاقتصادي الشامل الذي يوحد الشعب خلف القيادة ضد "العدو الخارجي".
  2. استثمار الدبلوماسية الرقمية: بدلاً من التهديد العسكري، يمكن تعزيز وصول الكوبيين إلى الإنترنت الحر والمعلومات، مما يخلق ضغطاً داخلياً ناعماً ومستداماً.
  3. المقايضات الذكية: استغلال حاجة كوبا للاستثمار الأجنبي لفرض شروط تتعلق بحقوق الإنسان والانفتاح السياسي بشكل تدريجي ومدروس.

لذا على الامريكى تلافي السلبيات والمخاطر، لتجنب تكرار أخطاء الماضي أو التورط في سيناريوهات كارثية:

  • تجنب التدخل العسكري المباشر: أي عمل عسكري تجاه كوبا سيؤدي إلى موجة هجرة غير مسبوقة نحو فلوريدا، ويزعزع استقرار المنطقة بأكملها، ولن يكون "نزهة" كما يتصور البعض.
  • الحذر من "فراغ السلطة": الانهيار المفاجئ للنظام الكوبي دون بديل منظم قد يحول الجزيرة إلى بؤرة للجريمة المنظمة وتجارة المخدرات في قلب الكاريبي.
  • مراعاة الحلفاء الدوليين: الضغط المفرط على كوبا قد يدفعها تماماً نحو الارتماء في أحضان قوى دولية منافسة (مثل روسيا والصين) بشكل أعمق عسكرياً واستراتيجياً.

الخلاصة

  • إن اختزال الحالة الكوبية المعقدة في "نموذج فنزويلي" مكرر يعكس قصوراً في قراءة الخصائص البنيوية والاجتماعية الفريدة لجزيرة كوبا. فبينما تتشابه الدولتان في بعض المظاهر السياسية، إلا أن آليات الصمود الوطني وقوة المؤسسة العسكرية الكوبية تجعل من استنساخ سيناريو كاراكاس في هافانا رهاناً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج.
  • إن السياسة الناجحة تجاه كوبا تتطلب مزيجاً من الضغط الذكي والانفتاح المحسوب، بعيداً عن لغة التهديد التي غالباً ما تأتي بنتائج عكسية تقوي التيار المتشدد داخل النظام.
  • إن التحدي الحقيقي ليس في "إسقاط" النظام فحسب، بل في ضمان انتقال سلمي يحفظ استقرار المنطقة ويمنع تحول كوبا إلى "دولة فاشلة" على أعتاب الولايات المتحدة، وهو ما يستدعي رؤية استراتيجية تتجاوز العواطف السياسية والمكاسب الانتخابية الآنية.

المصادر والمراجع