من الطائرات إلى الخوارزميات:
اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻰ ﻳﻐﻴﺮ ﻗﻮاﻋﺪ «ﻟﻌﺒﺔ اﻟﺤﺮب»
الروبوتات والبيانات تسبق الجنود فى ميدان المعركة
الفيديوهات المزيفة أخطر أدوات التضليل فى الحروب بسبب قوة الإقناع وسرعة الانتشار
خبراء: التلاعب بالبيانات قد يغير نتيجة المعركة.. والسيطرة لمن يمتلكها فى القرن الحادى والعشرين
لم تعد الحروب تحسم بالصواريخ والطائرات، بل باتت الخوارزميات والبيانات لاعبًا رئيسيًا فى ساحات القتال، فمع تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران، برز الذكاء الاصطناعى كأحد أبرز الأدوات التى أعادت تشكيل طبيعة العمليات العسكرية، بدءًا من تحليل المعلومات الاستخباراتية وحتى تحديد الأهداف وتنفيذ الضربات بدقة غير مسبوقة.
وتشير تقارير دولية، إلى أن التقنيات الرقمية المتقدمة ربما لعبت دورًا فى العمليات التى انتهت باستهداف المرشد الإيرانى على خامنئى، ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مستقبل الحروب التى تُدار بسرعة الخوارزميات ودورها فى تغير قواعد المعركة؟.. وهو ما ترصده «الوفد» فى ذلك التحقيق.
مع بداية العمليات العسكرية ضد إيران، تحولت الحرب إلى ما يشبه مختبرًا حقيقيًا لاختبار تقنيات الذكاء الاصطناعى فى القتال، وتشير تقارير إلى أن الجيش الأمريكى اعتمد على أنظمة تحليل بيانات متقدمة مثل نظام Maven Smart System الذى طُور بالتعاون مع شركة Palantir Technologies، ويعمل على تحليل البيانات العسكرية وربطها بشبكات القيادة والسيطرة.
وتعتمد هذه الأنظمة على معالجة كميات ضخمة من البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار، ثم تقوم بترتيب الأهداف العسكرية وتحديد أولوياتها واقتراح نوع السلاح المناسب للهجوم، وحسب صحيفة الجارديان، إن هذه التقنيات اختصرت ما يُعرف عسكريًا بـ «سلسلة القتل» -أى الفترة الزمنية بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة- من ساعات أو أيام إلى دقائق وربما ثوانٍ فقط.
وبحسب موقع قناة NDTV الهندية، قام نظام مافن الذكى بتحليل صور الأقمار الصناعية، ولقطات الطائرات المسيرة، وتسجيلات اتصالات العدو، وأكثر من 150 مصدرًا آخر، ليقدم للجيش الأمريكى أكثر من 1000 خيار للضربة فى اليوم الأول.
وصرح المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، الكابتن تيموثى هوكينز، لوكالة بلومبيرج، أن تقنيات الذكاء الاصطناعى المستخدمة، وليس نظام مافن فقط، «تساعد الجنود على اتخاذ قرارات أذكى وأسرع».. رغم أن الشعار السائد هو «ألف قرار»، أى عملية فرز كميات هائلة من البيانات لتحديد ألف هدف كـ«صديق أو عدو» خلال ساعة واحدة، إلا أن الشعار الآن هو «دع الذكاء الاصطناعى يقوم بذلك».
وبفعل برامج الذكاء الاصطناعى تحوّلت عملية اختيار الأهداف وإطلاق النار عليها، إلى «شبكة قتل»، وهى عبارة عن مجموعة معقدة من أجهزة الاستشعار المترابطة التى تدعم منصات أسلحة متعددة، برًا وبحرًا وجوًا.
حرب فى المنازل
لم تقتصر أدوات الذكاء الاصطناعى على المشاركة الفعلية فى المعارك، ولكنها وصلت إلى المنازل، حيث انتشرت الفيديوهات المصنوعة بواسطة الذكاء الإصطناعى على وسائل السوشيال ميديا واقتحمت منازلنا طول المعركة، حتى أنه لم يعد بوسع أى منا التفريق بين الفيديوهات الحقيقة وتلك المخلقة بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي.
الدكتورة ريم عادل، أستاذ ورئيس قسم بحوث ودراسات الإعلام بمعهد البحوث والدراسات العربية " width="1200" height="818">ولذلك حذّرت الدكتورة ريم عادل، أستاذ ورئيس قسم بحوث ودراسات الإعلام بمعهد البحوث والدراسات العربية التابع لـ جامعة الدول العربية، من تنامى تأثير الفيديوهات المزيفة فى الحروب والأزمات، مؤكدة على أن هذا النوع من المحتوى يمثل أحد أخطر أدوات التضليل الحديثة بسبب قدرته الكبيرة على الإقناع والتأثير فى الرأى العام.
وأوضحت فى حديثها لـ«الوفد»، أن الفيديوهات المزيفة تختلف بشكل جوهرى عن الأخبار المضللة التقليدية، إذ تعتمد على التلاعب بالصوت والصورة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى، ما يجعلها تبدو واقعية بدرجة كبيرة ويصعب على الجمهور العادى اكتشافها. وأضافت أن الأخبار المضللة التقليدية غالبًا ما تكون فى شكل نصوص أو صور مفبركة، وهو ما يمنح الجمهور فرصة أكبر للتشكيك فيها مقارنة بالمحتوى المرئى المزيف.
وأكدت أن الفيديوهات المفبركة تترك تأثيرًا نفسيًا قويًا على الجمهور، خاصة عندما تتضمن مشاهد بصرية وصوتية لشخصيات سياسية أو عسكرية تبدو وكأنها تدلى بتصريحات أو تقوم بأفعال لم تحدث فى الواقع، ما يعزز الإحساس بواقعية الحدث ويزيد من تأثيره العاطفى.
وأشارت إلى أن هذا النوع من المحتوى ينتشر بسرعة كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعى، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور خلال وقت قصير مقارنة بالأخبار المضللة التقليدية.
وأضافت أن المواد الإعلامية المزيفة يمكن أن تولد مشاعر سلبية مثل الغضب والكراهية والرغبة فى الانتقام، ما قد يؤدى إلى تصاعد التوتر بين المجتمعات وظهور خطاب الكراهية، بل وقد يتطور الأمر أحيانًا إلى سلوكيات عدائية.
كما لفتت إلى أن الفيديوهات المزيفة تلعب دورًا خطيرًا فى تشكيل تصورات الجمهور حول الأحداث الميدانية خلال الحروب، إذ قد يعتقد المتلقى أن ما يشاهده يمثل الواقع الفعلى، وهو ما يؤدى إلى تكوين تصورات غير دقيقة عن مجريات الصراع.
وأوضحت أن انتشار هذا النوع من المحتوى يخلق حالة من الارتباك وفقدان الثقة فى المعلومات، حيث يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين ما هو حقيقى وما هو مزيف، الأمر الذى قد يضعف الثقة فى وسائل الإعلام والمصادر الرسمية، ويسهم فى تشكيل ذاكرة جماعية غير دقيقة للأحداث.
المهندس محمود فرج، مستشار التحول الرقمى وخبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى" width="899" height="614">حروب الجيل الخامس
وأكد المهندس محمود فرج، مستشار التحول الرقمى وخبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى، أن الحروب الحديثة تشهد تحوّلًا جذريًا بفعل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى، مشيرًا إلى أنها لم تعد تقتصر على الأسلحة التقليدية والعمليات البشرية، بل دخلت مرحلة تعتمد على روبوتات متطورة وعمليات اتخاذ القرار الحربية بشكل شبه مستقل.
وأوضح «فرج»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الذكاء الاصطناعى أصبح يُستخدم فى تحليل البيانات بسرعة غير مسبوقة، وتحديد المواقع الزمنية والتكتيكية للهجمات، بما فى ذلك عمليات الاقتحام وتنفيذ الاستراتيجيات العسكرية بدقة عالية، وقد ساهمت أدوات مثل «كلود AI» فى تمكين القوات من الوصول إلى معلومات استراتيجية وتحليلها لاتخاذ القرارات فى الوقت المناسب، ما يسرّع من تنفيذ العمليات ويزيد دقة النتائج الميدانية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة وسعت مؤخرًا جهودها لتطبيق الذكاء الاصطناعى فى العمليات الحربية، بعد رفض بعض الشركات المشاركة فى إزالة القيود على استخدامه فى مهام عسكرية حساسة، بينما انخرطت شركات أخرى مثل جوجل فى التعاون مع البنتاجون لتطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعى لدعم العمليات العسكرية.
وتطرق «فرج» إلى حروب الجيل الخامس والسادس، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى أصبحا عنصرًا أساسيًا فيها، حيث لا يقتصر الدور على دعم القرار البشرى، بل يمتد إلى اتخاذ قرارات هجومية مباشرة بواسطة الطائرات المسيرة والصواريخ الذكية، ما يمهد لمرحلة ستصبح فيها الحروب «حروب ذكاء اصطناعي» بامتياز، دون الحاجة لتدخل بشرى مباشر.
وأشار الخبير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعى يمتد إلى ما وصفه بـ«حروب المعلومات الرقمية»، بما يشمل تزييف الصور والفيديوهات العميقة (Deepfake) وتوجيه الرأى العام عبر وسائل التواصل الاجتماعى، فضلًا عن استهداف الجواسيس وقياس أداء الأعداء وتحليل سلوكهم واتخاذ قرارات استباقية ضدهم.
وأكد «فرج» أن هذا التحول فى قواعد الحروب يفرض على الدول ضرورة تعزيز قدراتها فى التدريب والتأهيل التكنولوجى للشباب، وتطوير برامج تعليمية لتطبيقات الذكاء الاصطناعى، لضمان القدرة على التعامل مع التهديدات الجديدة وتأمين المعلومات الحساسة والاستفادة من التطورات العالمية فى المجال العسكرى والتقنى.
وختم بالقول إن الحروب المستقبلية ستعتمد بشكل أساسى على الذكاء الاصطناعى والروبوتات، سواء فى العمليات الميدانية أو فى إدارة الحروب المعلوماتية، داعيًا إلى تعزيز الوعى التكنولوجى لدى الكوادر الوطنية لضمان الاستعداد لمواجهة هذه المرحلة الجديدة.
محمد جاويش، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى" width="1058" height="531">تحول جذري
والتقط أطراف الحديث محمد جاويش، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى، مشيرا إلى أن دخول الذكاء الاصطناعى إلى ساحات الحروب أحدث تحولًا جذريًا فى قواعد اللعبة، حيث أصبح الاعتماد على البيانات والخوارزميات محور القوة العسكرية بدلًا من العدد والعتاد التقليدى.
وأوضح «جاويش»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الذكاء الاصطناعى يُستخدم حاليًا فى عدة مجالات حيوية داخل العمليات العسكرية، منها: تحليل البيانات الاستخباراتية بسرعة هائلة للتنبؤ بتحركات العدو، واستخدام الطائرات المسيرة (Drones) المزودة بأنظمة رؤية حاسوبية لتحديد الأهداف بشكل شبه ذاتى، وتشغيل أنظمة الدفاع الذكية لاعتراض الصواريخ أو التهديدات خلال أجزاء من الثانية، بالإضافة إلى الحروب السيبرانية التى تعتمد على خوارزميات ذكية لاكتشاف الثغرات والهجمات الرقمية.
وأشار إلى أن هذا التحول جعل الحروب أقل اعتمادًا على العنصر البشرى المباشر وأكثر اعتمادًا على الأنظمة الذكية وسرعة اتخاذ القرار، موضحًا أن المستقبل سيشهد توسعًا فى استخدام الأنظمة غير المأهولة مثل الروبوتات القتالية، وزيادة الاعتماد على الحروب السيبرانية وحروب المعلومات، واستخدام الذكاء الاصطناعى للتنبؤ بالمعارك قبل حدوثها عبر تحليل كم هائل من البيانات، ما يجعل ساحات المعركة تمتد إلى الفضاء الرقمى والبيانات، وليس الأرض فقط.
وتطرق «جاويش» إلى قضية التزييف العميق (Deepfake)، مؤكدًا أن الفيديوهات المزيفة أصبحت أحد أخطر أدوات الحرب الإعلامية الحديثة، حيث يمكن استخدامها لإنشاء مشاهد وأقوال وهمية لقادة أو أحداث لم تحدث، بهدف التشويش على الرأى العام، التأثير على معنويات الشعوب أو الجنود، وخلق حالة من الفوضى المعلوماتية.
ونصح «جاويش» الجمهور بعدة خطوات للتأكد من مصداقية الفيديوهات، تشمل: التحقق من المصدر، البحث العكسى عن الفيديو أو الصورة باستخدام أدوات مثل Google Reverse Image، ملاحظة التفاصيل التقنية مثل حركة الشفاه أو تشوهات الوجه، متابعة منصات التحقق من الأخبار، وعدم مشاركة المحتوى بسرعة لتجنب الوقوع فى فخ التضليل الإعلامى.
وأكد الخبير أن الوعى الرقمى والفهم العميق لتطبيقات الذكاء الاصطناعى أصبح ضرورة حيوية لمواجهة التهديدات الحديثة، سواء فى الحروب التقليدية أو فى ساحات المعلومات الرقمية.
المهندس عمرو صبحى، خبير أمن المعلومات" width="573" height="356">حرب سيبرانية
أكد المهندس عمرو صبحى، خبير أمن المعلومات، أن دخول الذكاء الاصطناعى إلى ساحات الحروب أحدث تحولًا تاريخيًا، محولًا ساحة المعركة من خنادق وطائرات إلى «خوارزميات ذكية» قادرة على حسم مصير دول فى أجزاء من الثانية.
وأوضح «صبحي»، فى حديثه لـ «الوفد»، أن الحروب الحديثة أصبحت تعتمد على السرعة الرقمية وتحليل ملايين البيانات من الأقمار الصناعية والرادارات فى لمح البصر، متجاوزة قدرة العقل البشرى على الاستيعاب، وأضاف أن المجال السيبرانى أصبح الجبهة الأولى، حيث يمكن لتعطيل محطة كهرباء أو اختراق منظومة دفاع جوى أن يوازى تأثيره قصفًا جويًا كاملًا، بل وأكثر فتكًا لأنه يتم بصمت ودون سابق إنذار.
وأشار الخبير إلى أن التحدى الأكبر فى هذه الحروب يكمن فى «نزاهة البيانات» التى تغذى أنظمة الذكاء الاصطناعى، مؤكدًا أن أى تلاعب أو تسميم بيانات (Data Poisoning) قد يؤدى إلى نتائج كارثية، تجعل الأسلحة تفشل فى التعرف على أهدافها أو ترتد على أصحابها. وأضاف أن الاعتماد المفرط على الأتمتة فى اتخاذ القرارات العسكرية يفتح ثغرات سيبرانية كبيرة، ويجعل أنظمة القيادة والسيطرة هدفًا للقراصنة.
وأوضح «صبحى» أن الحروب الجديدة أصبحت هجينة وذكية ومضللة، وتشمل: دمج الهجمات العسكرية التقليدية مع الهجمات السيبرانية المنظمة، حروب المعلومات والتزييف العميق (Deepfake): لتضليل الشعب والقادة وإضعاف معنويات الخصم، أسراب الدرونز الذكية، وهى طائرات مسيرة صغيرة تتواصل لتعمل كـ «عقل واحد» يهاجم الأهداف بكفاءة صعبة الصد.
وحذر «صبحى» من أن مستقبل الحروب سيتجه نحو استقلالية كاملة للآلات، مع تحديات أخلاقية وقانونية حول مسؤولية القرارات العسكرية المتخذة آليًا، مؤكدًا أن «السيادة فى القرن الحادى والعشرين ستكون لمن يمتلك البيانات الأضخم والخوارزمية الأذكى»، مشيرًا إلى أن المعركة القادمة قد تبدأ ليس برصاصة، بل بـ«كود برمجي» يغير خريطة العالم.