الإعلام المصري في زمن الحروب
رغم التحولات العاصفة التي تشهدها المنطقة والاشكاليات الكبرى المحيطة بها والمتعلقة بالإعلام والوعي العام، لا يزال الإعلام المصري وقنواته التلفزيونية تقف عند عتبة التحول الرقمي لا تتجاوزه حتى الآن، فقنواته من دون منصة رقمية حقيقية تبث محتوى مباشرًا خاصًابها أو موجهًا أو مخصصًا لجماهيرها، ويقتصر الإعلام المصري في معرفته عن الحضور الرقمي على فقط إعادة تدوير أو نشر المواد التي تم بثها بالفعل على الشاشة التقليدية إلى شاشة السوشيال ميديا، وهنا يكمن جوهر الأزمة، غياب تام لقنوات التلفزيون المصري من الإنتاج الرقمي الأصيل كافة.
هذه المشكلة ليست أزمة نشر أو أزمة إمكانات بقدر ما هي أزمة في فلسفة الإنتاج متعلقة بالفجوة الجماهيرية الملائمة للجميع.
وفي وقت الحروب والأزمات يصبح البث الرقمي قيمة كبيرة، يعني امتلاك منصة حية تتفاعل مع الحدث لحظة بلحظة، بينما النشر اللاحق هو مجرد أرشفة رقمية لمحتوى صُمم أساسًا للتلفزيون، فهذه الفجوة تعد خطيرة جدًا؛ لأن الجمهور لا ينتظر إعادة رفع تقرير بعد ساعات، بل يبحث عن تدفق لحظي للمعلومة.
التعاطي الإعلامي مع المحتوى الرقمي ينتج بعقلية تقليدية هي عقلية الشاشة ويعاد تصديرها لها مرة أخرى من دون إعادة صياغة، أو مراعاة لاختلاف الجمهور وسلوك وأنواع الجماهير على كل منصة.
الصراع الحالي في المنطقة يتصور القائمين عليه من المسؤولين في التلفزيون أن زمنه في التسعينات، لا يتصور تفاعلات بيئة الصراع نفسها، أو تسارع الأحداث إلى درجة تجعل النشرات التقليدية غير كافية وحدها، وأن المنصات الرقمية أصبحت ميدانًا موازيًا للمعركة وصاحب السردية القوية المتفاعلة مع كل المنصات هو الذي سيكسب جولة الوعي العام وغياب هذه الأدوات، كما هو حادث الآن، يجعل من المؤسسة التي ننتمي إليها تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير، مهما كانت قوة محتواها التلفزيوني.
يعتقد المسؤولون في التلفزيون الرسمي أن مجرد إعادة نشر التقارير، أو البرامج، أو المداخلات، كما هي، على يوتيوب، أو فيسبوك، أنه بذلك قد أثبت حضوره على المنصات، بينما المنصات الرقمية لها لغتها الخاصة، فجمهورها أسرع وانتباهه أقصر وتفاعله مشروط بتلك السرعة في نقل المعلومة والجاذبية البصرية، لذلك مجرد غياب محتوى مُصمم خصيصًا لهذه المنصات يعني خسارة شريحة واسعة من الجمهور، خصوصًا الأجيال الأصغر التي لم تعد ترى في الشاشة التقليدية مصدرها الأول للمعلومات.
لا تزال تعمل غرف الأخبار في التلفزيون وفقًا لتقنية (الكوبي بيست)، سواء كان ذلك في النص الخبري، أو في الفيديو المنقول على الشاشة الرقمية، لذا يجب إعادة تعريف غرفة الأخبار وإعادة بنائها من منطلق المنصات الرقمية.
من المؤكد أن التلفزيون المصري يمتلك تاريخًا قويًا وخبرةً وقدرةً بشرية هائلة، والحفاظ على هذا الإرث لا يتطلب إلا القرار فقط، بينما التأخر في بناء منصة رقمية حقيقية سيرسخ من فجوة معركة الوعي وبناء العقول المصرية.