بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الخليج لا يثق فى الرئيس الأمريكى

بوابة الوفد الإلكترونية

تتعامل دول الخليج بحذر شديد مع الأنباء المتداولة حول محادثات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب وسط حالة من الشك العميق تجاه نوايا واشنطن، وخشية من أن تكون دعوات التهدئة مجرد غطاء لجولة تصعيد جديدة تقودها إدارة دونالد ترامب.

يشير تحليل نشرته صحيفة الجارديان البريطانية إلى أن هذا التردد الخليجى يعكس فقدان الثقة فى النهج الأمريكى بعد تجارب سابقة انهارت فيها مسارات التفاوض بشكل مفاجئ بالتزامن مع عمليات عسكرية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على حسابات دول المنطقة.

فى خطوة لافتة سارعت قطر إلى النأى بنفسها عن أى دور فى هذه المحادثات، حيث أكد المتحدث باسم الحكومة القطرية ماجد الأنصارى أن الدوحة لا تشارك فى أى جهود وساطة بل شكك فى وجود هذه المحادثات من الأساس قائلًا إذا كانت موجودة أصلًا.

يمثل هذا الموقف تحولًا غير معتاد فى السياسة القطرية التى لطالما لعبت دور الوسيط فى النزاعات المعقدة من غزة إلى كابول والخرطوم، حيث كانت الوساطة أداة نفوذ رئيسية للدوحة لكنها اليوم تختار الابتعاد عن هذا المسار فى إشارة إلى تعقيد المشهد وفقدان الثقة فى جدوى التحركات الدبلوماسية الحالية.

وبحسب التحليل، فإن دول الخليج لم تعد تقف فى موقع الوسيط كما فى السابق بل وجدت نفسها خلال الأسابيع الأخيرة فى قلب المواجهة بعدما تجاهلت الولايات المتحدة جهودها الرامية إلى منع اندلاع الحرب.

فخلال مفاوضات كانت ترعاها سلطنة عمان للحد من البرنامج النووى الإيرانى نفذت واشنطن ضربات عسكرية ضد طهران فى يونيو 2025 ما أدى إلى انهيار المحادثات وتكرر السيناريو نفسه فى فبراير الماضى عندما بدأت الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل قصف إيران قبل استكمال المسار التفاوضى.

ومنذ اندلاع الحرب تكبدت دول الخليج خسائر كبيرة حيث اضطرت إلى إنفاق مليارات الدولارات لمواجهة هجمات يومية بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية ما أثر بشكل مباشر على أمنها واقتصاداتها.

ويرى مراقبون أن فتور الحماس الخليجى تجاه أى هدنة محتملة يعود إلى مزيج من الخسائر الباهظة وفقدان الثقة فى الدور الأمريكى، حيث تسود قناعة بأن طروحات التهدئة قد تكون مجرد مناورة سياسية أو غطاء لتمهيد الأرضية لتصعيد أكثر حدة.

وفى هذا السياق قال المحلل السياسى بلال صعب إن دول الخليج تعرضت لخيبة أمل سابقة بعدما اعتقدت أن جهود الوساطة قد تحقق نتائج قبل أن تكتشف أنها لم تثمر شيئًا يذكر، مشيرا إلى أن هذه التجربة إلى جانب تعرضها لهجمات مباشرة خلقت حالة إحباط أثرت على استعدادها للعب دور الوسيط مجددًا.

كما لفت التحليل إلى أن الغموض الذى يحيط بالمحادثات الحالية وعدم وضوح الطرف الذى تتفاوض معه الولايات المتحدة داخل إيران يزيد من حذر دول الخليج خاصة فى ظل تغييرات داخل هرم السلطة الإيرانية عقب اغتيال عدد من كبار المسئولين وبقاء المرشد الجديد مجتبى خامنئى بعيدًا عن الظهور العلنى.

وبحلول مساء الأربعاء رفضت إيران خطة أمريكية من 15 بندًا لإنهاء الحرب نقلت إليها عبر وسطاء باكستانيين ووصفتها بأنها غير معقولة للغاية مقدمة فى المقابل مقترحًا مختلفًا بشكل جذرى.

كما عبرت مصادر دبلوماسية إيرانية عن شكوك مماثلة، مشيرة إلى أن التجارب السابقة أظهرت استخدام المفاوضات كغطاء لتنفيذ عمليات عسكرية واغتيالات ما أدى إلى تآكل الثقة بشكل كبير.

وقال الباحث بدر السيف إن دول الخليج باتت تنظر إلى مصطلح المفاوضات فى ظل إدارة ترامب باعتباره مرتبطًا بالحرب، مؤكدًا أن أسلوب الرئيس الأمريكى يتسم بالغموض والتقلب فى وقت لا تزال فيه الأوضاع شديدة الهشاشة.

ورغم هذا الحذر شدد على أن دول الخليج تدرك أهمية المشاركة فى أى مفاوضات حقيقية نظرًا لتأثيرها المباشر على مستقبلها الأمنى والاقتصادى.

ويزداد القلق الخليجى من احتمال انتهاء الحرب مع بقاء النظام الإيرانى فى مكانه حيث ينظر إلى هذا السيناريو باعتباره تهديدًا استراتيجيًا خاصة إذا خرجت طهران أكثر تشددًا وأكثر قدرة على استخدام ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيرة التى أثبتت فعاليتها فى استهداف منشآت حيوية.

كما تبقى سيطرة إيران على مضيق هرمز مصدر قلق كبير نظرًا لأهميته فى مرور صادرات النفط والغاز الخليجية إلى الأسواق العالمية.

فى المقابل يحذر التحليل من أن استمرار الحرب لفترة طويلة بهدف تغيير النظام قد يؤدى إلى استنزاف اقتصادات الخليج وتعريض بنيتها التحتية الحيوية للخطر إلى جانب احتمال اندلاع اضطرابات داخلية عبر تفعيل جماعات موالية لإيران داخل المنطقة.

ودعا بدر السيف دول الخليج إلى عدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة والعمل على فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إيران لحماية مصالحها مؤكدًا أن هذه ليست حربها وأن تقليل تداعياتها يجب أن يكون أولوية.

كما أشار إلى أن باكستان قد تكون موقعًا مناسبًا لاستضافة المحادثات بحكم علاقاتها مع دول الخليج رغم وجود شكوك حول قدرتها على لعب دور مؤثر مقارنة بدول مثل قطر والإمارات.

وقال الباحث أليكس فاتانكا إنه لا يوجد ما يضمن أن تضع واشنطن مصالح دول الخليج فى صدارة أولوياتها خلال أى مفاوضات، مشيرا إلى أن إيران من غير المرجح أن تتخلى عن قدراتها الصاروخية التى تمنحها نفوذًا مهمًا.

وأضاف أن دول الخليج قد تجد نفسها مرة أخرى أمام تقلبات السياسة الأمريكية ما قد يدفعها فى نهاية المطاف إلى رسم مسارها الخاص فى التعامل مع طهران كما فعلت قبل اندلاع الحرب.