بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الشائعة كسلاح ؛؛؛ اختبار وعي المواطن وكفاءة الأحزاب ومسؤولية الدولة

لم تعد الحروب في زمننا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل أصبحت تُدار أيضا ً عبر الأخبار والصور والمقاطع المتداولة، حتى صار الوعي العام نفسه ساحة من ساحات الصراع. فكما تُستهدف المواقع على الأرض، تُستهدف العقول بالمعلومات المبتورة، والروايات المضللة، والعناوين المصاغة لإثارة الانفعال قبل إيقاظ التفكير. ومن هنا لم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب عابر، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى سلاح فعلي يمكنه أن يربك المجتمعات، ويضغط على الأعصاب، ويضعف الثقة، ويفتح المجال للفوضى المعنوية في اللحظات التي تكون فيها الدول أحوج ما تكون إلى التماسك.

وفي أوقات الأزمات والحروب الإقليمية تزداد خطورة هذا السلاح، لأن الناس بطبيعتها تميل إلى متابعة كل جديد، وتبحث عن أي معلومة تطمئنها أو تفسر لها ما يجري. وهنا تتسلل الشائعة غالبا ً من بوابة السرعة، لا من بوابة المصداقية. خبر صادم، أو مقطع مجتزأ، أو تعليق من حساب مجهول، فيندفع البعض إلى تصديقه أو تداوله قبل أن يسأل نفسه السؤال الأهم: 
هل ما أراه حقيقة فعلا ً أم مجرد صياغة ذكية للتأثير على الرأي العام؟

من هنا يصبح وعي المواطن هو خط الدفاع الأول. فالمواطن الواعي ليس مطلوبا ً منه أن يكون خبيرا ً استراتيجيا ً أو محللا ً سياسيا ً، وإنما أن يتحلى بالحد الأدنى من الانضباط العقلي قبل أن يصدق أو ينشر. وأبسط قاعدة في ذلك أن أي خبر قوي أو مثير يجب أن يمر على ثلاثة أسئلة حاسمة: 
من مصدره، وهل صدر عن جهة معروفة أم عن حساب مجهول؟ 
وهل أكدته أكثر من جهة موثوقة أم أنه يدور فقط داخل الجروبات وصفحات التواصل؟ وهل لغته خبرية هادئة أم تحريضية تستهدف دفع المتلقي إلى الانفعال؟ 
فإذا تعثر الخبر أمام أحد هذه الأسئلة، فالأصل ألا يُعامل باعتباره حقيقة، بل باعتباره مادة تحتاج إلى توقف وتدقيق.

لكن المسؤولية لا تقف عند حدود المواطن وحده ؛ فالأحزاب أيضا ً تدخل هنا في اختبار حقيقي يتعلق بكفاءتها السياسية والإعلامية، فالحزب ليس مجرد لافتة تنظيمية أو بيانات مناسبات، بل يفترض أن يكون أداة وعي وتوجيه وشرح للرأي العام، خاصة في اللحظات المضطربة .. وحين تنتشر الشائعات، يصبح من واجب الأحزاب أن تستخدم أدواتها الإعلامية وقنوات اتصالها الجماهيرية في تقديم المعلومة المنضبطة، وشرح السياق، وتفنيد الروايات المضللة، لا أن تترك الساحة للفوضى أو التفاعل المرتبك. فالأحزاب الكفؤة لا تكتفي بمراقبة المزاج العام، بل تسهم في ترشيده.

وفي المقابل، تبقى مسؤولية الدولة هي المسؤولية الأوسع والأكثر حسما ً، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الشائعات .. فكلما تأخرت المعلومة الرسمية، أو جاءت مرتبكة، أو غابت الشفافية في التوقيت المناسب، تمددت الروايات البديلة ولو كانت هشة أو مضللة، لذلك لا يكفي من الدولة أن تنفي الشائعة بعد انتشارها، بل الأهم أن تسبقها بحضور معلوماتي واضح، سريع، ومنضبط، يضع أمام الناس الحد الأدنى من الحقائق الذي يغلق الباب أمام العبث والتهويل.

إن الشائعة حين تتحول إلى سلاح، فإن مواجهتها لا تكون بالتجاهل وحده، بل بمسؤولية مشتركة؛ مواطن يتحقق قبل أن يصدق، وحزب يوضح قبل أن تتسع الفجوة، ودولة تبادر بالمعلومة قبل أن يملأ غيرها الفراغ. وبهذا فقط يمكن حماية الوعي العام من الاختراق، والحفاظ على تماسك المجتمع في زمن لم تعد فيه المعركة فقط على الحدود، بل أيضا ً داخل العقول.