مصر تشعل سباق مراكز البيانات.. وزيرا الاتصالات والكهرباء يضعان خريطة طريق لاستثمارات جديدة
في خطوة تعكس جدية الدولة المصرية في تحويل طموحاتها الرقمية إلى واقع ملموس، التقى وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المهندس رأفت هندي في اجتماع موسع بمقر وزارة الكهرباء بالعاصمة الإدارية الجديدة، لوضع أسس استراتيجية وطنية تحوّل مصر إلى مركز إقليمي رائد في صناعة مراكز البيانات.
الاجتماع الذي انعقد اليوم الخميس 26 مارس 2026، لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي. كان اجتماعاً تنفيذياً بحضور قيادات من الوزارتين، وانتهى بتشكيل فريق عمل مشترك مهمته الأساسية صياغة استراتيجية متكاملة لصناعة ناشئة يُنظر إليها اليوم باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي.
لماذا الآن؟ ولماذا مراكز البيانات تحديدًا؟:
قبل أن نتحدث عن تفاصيل الاجتماع، ثمة سياق مهم ينبغي فهمه: مراكز البيانات باتت تمثل بنية تحتية استراتيجية لا تقل أهمية عن شبكات الكهرباء والطرق والموانئ. كل خدمة رقمية، وكل تطبيق ذكاء اصطناعي، وكل معاملة حكومية إلكترونية تحتاج في نهاية المطاف إلى مراكز بيانات قوية ومستقرة تستضيفها وتُشغّلها.
مصر، بموقعها الجغرافي عند ملتقى قارات ثلاث، وبشبكة الألياف الضوئية التي مدّتها خلال السنوات الأخيرة، وبكوادرها البشرية المؤهلة في مجال تكنولوجيا المعلومات، تمتلك مقومات حقيقية تؤهلها للمنافسة على هذا السوق الضخم. السؤال كان دائماً: كيف تُترجم هذه المقومات إلى استثمارات فعلية؟ وهو بالضبط ما جاء هذا الاجتماع للإجابة عنه.
الكهرباء أولًا - رسالة طمأنينة للمستثمرين:
أكد الدكتور محمود عصمت أن الطاقة الكهربائية متاحة للاستخدامات كافة في إطار خطة الدولة للتنمية المستدامة، وهي رسالة مباشرة للمستثمرين الذين كان يشغلهم التساؤل حول استقرار الإمدادات في ظل التحديات التي مرّ بها قطاع الكهرباء.
وأوضح الوزير، أن قطاع الكهرباء يسير وفق رؤية متكاملة واستراتيجية تنفيذية تستهدف تحقيق أمن الطاقة وتحديث الشبكة الموحدة ورفع كفاءتها، مع التركيز على جذب استثمارات مراكز البيانات من خلال اتفاقيات طويلة الأجل توفر ضمانات حقيقية للمستثمرين.
والأهم من ذلك، ربط الوزير ملف مراكز البيانات بالاستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة، التي تستهدف رفع نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى أكثر من 42% بحلول 2030، ثم إلى 65% بحلول 2040. وهذا يعني أن مراكز البيانات المصرية في المستقبل القريب ستتغذى جزئياً أو كلياً من مصادر طاقة نظيفة — وهو ما بات معيارًا أساسيًا للشركات الدولية الكبرى عند اختيار مواقع استثماراتها.
مصر كمركز إقليمي - رؤية وزير الاتصالات:
قدّم المهندس رأفت هندي رؤية أكثر تفصيلاً لما تملكه مصر من أوراق تنافسية. إذ أكد أن مصر مؤهلة لتصبح مركزاً إقليمياً رائداً في هذه الصناعة استناداً إلى عدة ركائز: الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعلها نقطة وصل بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، وشبكات الألياف الضوئية الممتدة، والربط الدولي عالي الكفاءة، وقاعدة المهندسين وخبراء تكنولوجيا المعلومات القادرين على إدارة وتشغيل مراكز البيانات.
وأضاف، أن هذه الصناعة تمثل ركيزة أساسية لتحقيق السيادة الرقمية، إذ تتيح استضافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية على أراضٍ مصرية، بدلاً من الاعتماد على خوادم خارجية. وأشار إلى أن نجاح هذه الصناعة يرتكز على تكامل عنصرين لا غنى عنهما: شبكات اتصالات عالية الاعتمادية، وطاقة كهربائية مستقرة ومستدامة — وهو بالضبط ما يجمع الوزارتين في هذا الملف.
ما الذي تم الاتفاق عليه فعليًا؟:
الاجتماع لم يكتفِ بالتصريحات، بل أسفر عن قرارات تنفيذية واضحة. تقرر تشكيل فريق عمل مشترك بين الوزارتين مهمته إعداد استراتيجية شاملة لصناعة مراكز البيانات تتضمن أربعة محاور:
أولاً، ضمان استدامة واستقرار إمدادات الطاقة بأسعار تنافسية توفر يقيناً للمستثمرين على المدى البعيد. ثانياً، تبسيط إجراءات التراخيص والتخصيص بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية، وهو ما طالما شكّل عقبة أمام المستثمرين الراغبين في الدخول السريع للسوق. ثالثاً، دعم التوجه نحو مراكز البيانات الخضراء التي تعتمد على الطاقة المتجددة، تماشياً مع المعايير البيئية الدولية. رابعاً، تشجيع استخدام أحدث تقنيات كفاءة الطاقة لتقليل التكاليف التشغيلية وجعل السوق المصرية أكثر جذباً.
ما الذي يعنيه هذا للاقتصاد المصري؟:
الاستثمار في مراكز البيانات ليس مجرد مشروع تقني. هو عائد تنموي مباشر يمتد عبر قطاعات متعددة: يوفر فرص عمل متخصصة ذات قيمة مضافة عالية، ويدعم التحول الرقمي للقطاعين الحكومي والخاص، ويعزز قدرة الشركات الناشئة على الابتكار وتوسيع نطاق عملها، ويضع مصر في خريطة الاستثمار الرقمي العالمي كوجهة جادة لا مجرد سوق ناشئة.
في عالم تتنافس فيه الدول على استقطاب شركات مثل Microsoft وGoogle وAmazon لإنشاء مراكز بيانات إقليمية، يبدو أن مصر بدأت تضع أحجار الأساس الصحيحة في الوقت المناسب.