بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ما هي كفارة النذر لمن عجز عن الوفاء به؟

بوابة الوفد الإلكترونية

يعد النذر صِنفٌ مِن صنوف القربات والطاعات التي يُتقرَّب بها إلى الله تعالى، والوفاءُ به صفةٌ مِن صفات عباده الأبرار، قال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ۝ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ۝ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإِنسان: 5- 7].


الواجب على المسلم عند النذر

الواجب على المسلم عند النذر الوفاء به كما هو ما دام مستطيعًا، فإن لم يستطع الوفاء به لعجز مرجو الزوال، فلا تلزمه كفارة في هذه الحالة، وإنما ينتظر زوال عجزه، فيؤدِّي ما وجب عليه من النذر، وإن كان العجز دائمًا لا يُرجى زواله، أو كان النذر مما لا يطاق أداؤه، فعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، ويجوز إخراج قيمتها نقدًا، فإن لم يستطع شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام.

بيان المراد بالنذر وحكم الوفاء به

والنذر عبارة عن إِيجاب المرءِ فِعْلَ الْبِرِّ على نفسه، كما في "الاستذكار" للإمام ابن عبد البر (5/ 173، ط. دار الكتب العلمية).

ولَمَّا كان النذر إيجابًا مِن المكلَّفِ على نفسه ما لم يوجِبهُ الشرعُ عليه، فإنَّ الشرع الشريف قد ألزم الناذرَ بما التزَمَه من نذر الطاعة، وأوجب عليه الوفاءَ به عند القدرة عليه، وشدَّد على ذلك، فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» أخرجه الإمام البخاري.

وَلَا خِلَافَ بين الفقهاء في "أنَّ النَّذرَ بِالطَّاعَةِ يَلزَمُ الوَفَاءُ بِهِ"، كما قال الإمام ابن القَطَّان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 375، ط. دار الفاروق).

وقد ذَمَّ اللهُ تعالى مَن نذر نذرًا ولَم يَفِ به مع كونه يستطيع الوفاء به، فقال سبحانه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27].

قال الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (6/ 156-157، ط. مكتبة الرشد): [النذر في الطاعة واجب الوفاء به عند جماعة الفقهاء لمَن قدر عليه... وقد ذم الله من أوجب على نفسه شيئًا ولم يَفِ به، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية] اهـ.

كفارة النذر لمن عجز عن الوفاء به

إذا عجز الناذر عن أداء نذره، فإنَّ الحكم يختلف باختلاف نوع العجز، فإذا كان العجز مرجو الزوال، فلا تلزمه كفارة في هذه الحالة، وإنما ينتظر زوال عجزه، ويؤدَّى ما وجب عليه بالنذر؛ لأن وقت الوفاء لم يفت، فأشبه المريض مرضًا يرجى زواله إذا أفطر في شهر رمضان.

وإذا كان العجز دائمًا لا يُرجى زواله، أو كان النذر ممَّا لا يطاق أداؤه، فعليه كفارة يمين؛ لما روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرَت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته، فقال: «لتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» متفق عليه. ولأبي داود: «وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا». وللتِّرمذي: «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فَأَطَاقَهُ، فَلْيَفِ بِهِ". أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى".

قال العلامة ابن قدامة المقدسي الحنبلي في "المغني" (10/ 11-12، ط. مكتبة القاهرة): [من نذر طاعة لا يطيقها، أو كان قادرًا عليها فعجز عنها، فعليه كفارة يمين... وإن عجز لعارض يرجى زواله من مرض أو نحوه انتظر زواله، ولا تلزمه كفارة ولا غيرها؛ لأنه لم يفت الوقت، فيشبه المريض في شهر رمضان] اهـ.

وتفصيل كفارة اليمين، التي أشار إليها الفقهاء على أنها بديل عن النذر، ترجع إلى ما نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89].

فتحصل الكفارة بواحدة من ثلاثِ خصالٍ على سبيل التخيير: إطعامُ عشرةِ مساكين، أو كسوتُهم، أو عِتقُ رقبةٍ مؤمنة، فإن عجز المُكفِّرُ عن جميع ذلك، صام ثلاثة أيام.

قال الإمام ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (7/ 128، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع أهل العلم على أنَّ الحانث في يمينه بالخيار: إن شاء أَطعَم، وإن شاء كَسَا، وإن شاء أَعتَق، أيَّ ذلك فَعَل يجزئه] اهـ.

حكم إخراج قيمة الإطعام في كفارة النذر

ويجوز إخراج قيمة هذا الطعام نقدًا إذا كان ذلك أنفع للفقير وهو المختار للفتوى، قال شمس الأئمة السَّرَخسِي في "المبسوط" (2/ 156، ط. دار المعرفة): [إنَّ أداء القيمة مكان المنصوص عليه في الزكاة والصدقات والعشور والكفَّارات جائزٌ عندنا] اهـ.