حكم إفطار الصائم بسبب شرقة النَّفَس
من المقرر شرعًا أنه يجوز للمسلم الصائم الفطر بأن يتناول دواء أو يشرب ماء إذا احتبس نَفَسُه بغصة، وكان هذا هو الحل المتاح، ولم يكن هناك وسيلة بديلة أخف، وعليه قضاء ذلك اليوم، ولا كفارة عليه، ومن ثمَّ فلا حرج عليكم فيما فعلتموه، ولا يلزم الوالد أن يُمسك عن المفطرات بقية اليوم، وإنِ استُحِبَّ ذلك متى قدر عليه؛ خروجًا من خلاف الفقهاء.
بيان حقيقة الصوم شرعًا
الصوم شرعًا يعني الإمساك عن المفطرات الثلاث (الأكل، والشرب، والجماع) من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، على وجه مخصوص بنية مخصوصة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
قال العلامة ابن مودود الموصلي في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 125، ط. الحلبي): [وفي الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن المفطرات الثلاث بصفة مخصوصة، وهو قصد التقرب من شخص مخصوص وهو المسلم، بصفة مخصوصة وهي الطهارة عن الحيض والنفاس، في زمان مخصوص، وهو بياض النهار من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس] اهـ.
حكم الإفطار في نهار رمضان من غير عذر
والأصل في تعمد الفطر من غير عذر في صوم الفرض أنه حرام؛ لما فيه من انتهاك لحرمة الشهر الكريم، وترك لما فرض الله تعالى، وفوات بركة خصوصية شهر عظم الله تعالى حرمته، وخصه بمزيد فضل عن غيره من الشهور، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ» أخرجه الإمام البخاري معلقًا، ووصله أصحاب السنن الأربعة.
قال الشيخ ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود" (10/ 461-462، ط. دار الفلاح) قوله صلى الله عليه وآله وسلم: [«وَإِنْ صَامَهُ»، أي: وإن قضاه في الظاهر؛ لما فاته من بركة خصوصية ذلك اليوم الذي عظَّم الله تعالى حرمته وخصه بمزية الفضل] اهـ.
وقد عدَّ شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي تعمد الإفطار في صوم الفرض من غير عذر -كبيرة من كبائر الذنوب، حيث قال في كتابه: "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 323، ط. دار الفكر): [الكبيرة الأربعون، والحادية والأربعون بعد المائة: ترك صوم يوم من أيام رمضان، والإفطار فيه بجماع أو غيره بغير عذر، من نحو مرض أو سفر] اهـ.
وهذا حيث لم يكن عذر مرخص، وإلا فقد يباح الفطر لعوارض منها: السفر، وكذا المرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185].
قال الإمام فخر الدين الرازي في "تفسيره" (5/ 243، ط. دار إحياء التراث العربي): [المراد منه: أنَّ فرض الصوم في الأيام المعدودات إنَّما يلزم الأصحاء المقيمين، فأمَّا مَن كان مريضًا أو مسافرًا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيامٍ أُخَر] اهـ.
وقال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 40، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا على أن من آذاه المرض وضعف عن الصوم فله أن يفطر] اهـ.
حكم إفطار الصائم بسبب الغُصة
أما الغُصة في اللغة: فهي بالضم: الشجا، وجمعها: غُصص، وهي: ما اعترض في الحلق فأشرق صاحبه، وضيق عليه نفَسَه، إذ الغَصُّ بمعنى: الضيق؛ يقال: غصَّ المكان بأهله، أي: ضاق بهم، والغصة والشرقة مترادفان يستعمل كل منهما مكان الآخر. يُنظَر: "لسان العرب" لابن منظور (7/ 61، ط. دار صادر)، و"القاموس المحيط" للفيروزآبادي (1/ 625، ط. مؤسسة الرسالة)، و"تاج العروس" لمرتضى الزبيدي (18/ 55-56، ط. دار الهداية).
وتُعرف طبيًّا بأنها: أمر غير إرادي يُحدِث انسدادًا في مجرى التنفس؛ بسبب وصول أجسام غريبة إلى الجهاز التنفسي أثناء ابتلاع شيءٍ ما أو استنشاقه مثلًا، وكذلك الحوادث الناجمة عن إدخال أجسام غريبة بالمسالك التنفسية، وهذا الانسداد يمنع وصول الأكسجين إلى الجسم، والذي يؤدي إلى صعوبة الحركة التنفسية وعدم انتظامها، وقد يؤدي إلى الوفاة في بعض الأحيان. يُنظر: "الطب الشرعي" ليحيى بن لعلي (ص: 134، ط. منشورات المجلس الأعلى للغة العربية).
وإذا ما اعترض نَفَسَ الصائم حال صومه شيءٌ لا قدرة له على التحكم به ولا دفعه، بحيث لا يستطيع أن يتنفس، أو يضيق عليه نفسه، بحيث تحصل له أزمة تنفسية فيضطر إلى أن يتناول دواء أو يشرب نحو ماء، لكي يسيغ هذه الغصة -الشرقة- (وهو المسؤول عنه)، فلا حرج عليه في ذلك، وهو جائز شرعًا ما دام قد تَعَيَّن وسيلة لاستنقاذ حياته؛ لأن ذلك يعتبر حينئذ من باب الضرورة، لرفع الضرر عن نفس المكلف حتى لا يهلك، والقاعدة الشرعية أن "الضرورات تبيح المحظورات". يُنظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 84، ط. دار الكتب العلمية)، وحفظ النفس من أعظم الضرورات، ومن المقاصد الشرعية العظيمة التي كفلت الشريعة حمايتها وحفظها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173].
وقد تتابعت نصوص الفقهاء على جواز الفطر لمن خاف على نفسه الهلاك؛ حفاظًا على النفس، قال شمس الأئمة السرخسي الحنفي في "المبسوط" (3/ 137، ط. دار المعرفة): [وإذا خاف الرجل وهو صائم إن هو لم يفطر تزداد عينه وجعًا أو تزداد حماه شدة فينبغي أن يفطر] اهـ.
وقال الشيخ ابن أبي زيد القيرواني المالكي في "النوادر والزيادات" (2/ 35، ط. دار الغرب الإسلامي) عند ذكره لما يعذر به الصائم في الفطر، من المرض، أو العطش، أو الشرق: [قال عنه ابن نافع، فيمن أصابه بعد العصر شرق، خاف منه على نفسه، فشرب له الماء: فعليه القضاء] اهـ.
وقال الشيخ أحمد الدردير المالكي في "الشرح الكبير على مختصر خليل" (1/ 535، ط. دار الفكر): [(ووجب) الفطر لمريضٍ وصحيحٍ (إن خاف) على نفسه بصومه (هلاكًا أو شديدَ أذًى)، كتعطيل منفعةٍ من سمعٍ أو بصرٍ أو غيرهما؛ لوجوب حفظ النفس] اهـ.