بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هل غيرك رمضان؟.. ثمار تحسين شخصية المسلم بعد الشهر الكريم

بوابة الوفد الإلكترونية

يُعد شهر رمضان محطة إيمانية استثنائية وفرصة ذهبية للتغيير الجذري نحو الأفضل، فهو ليس مجرد كفٍّ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لتهذيب النفس وتصحيح المسار السلوكي والروحي، إن التغيير الحقيقي يبدأ بعزيمة صادقة تجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لصلة دائمة بالله وحياة ملؤها الانضباط والقيم.


أبرز جوانب التغيير بعد انتهاء رمضان

من المؤكد أن شهر رمضان فرصة للتغيير الإيجابي نحو الأفضل، كما أنه فرصة للتغيير والتصحيح والمحاسبة، سواء كان تغيير في العبادة، والسلوك، والأخلاق، والمعاملات، والجوارح، والعادات، يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ یَكُ مُغَیِّرࣰا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [الأنفال: ٥٣]، فالتغيير يحتاج إلى عزيمة وإرادة جادة وقوية.

بيّن الله تعالى الحكمة الكبرى من الصيام بقوله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى هي الغاية، وهي حضور مراقبة الله في القلب الذي هو ملك الجوارح فيحملها على ترك المحرمات وفعل الواجبات، والصائم حين يترك الطعام والشراب وهو قادر عليهما، إنما يتدرّب على معنى أعظم: أن يترك كل ما لا يرضي الله، ولو كان قريبًا من نفسه.

ومن هنا فإن أول ما ينبغي أن يتغير في رمضان وبعده هو علاقتنا بالله تعالى؛ أن تتحول من علاقة موسمية إلى صلة دائمة، ومن عادة متكررة إلى عبادة حاضرة، كثير من الناس لا يدعون ربهم إلا عند الشدائد، ولا يكثرون من الاستغفار إلا بعد الخطأ، فإذا جاء رمضان وجدوا في أنفسهم إقبالًا عجيبًا، ودمعة قريبة، وخشوعًا لم يعتادوه، وهذا الإقبال هدية ربانية ينبغي أن تُستثمر.

والهدف الأسمى والغاية العظمى من الصيام كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، لنزداد تقربًا ويقينًا وتقوى وخوفًا وخشية ومراقبة لربنا سبحانه، لنقترب منه أكثر، بطاعته وعبادته، والبعد عن معصيته.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «‌أَقْرَبُ ‌مَا ‌يَكُونُ ‌الْعَبْدُ ‌مِنْ ‌رَبِّهِ ‌وَهُوَ ‌ساجد. فأكثروا الدعاء» [مسلم (٤٨٢)]، فهل جعلنا من سجودنا لحظة قرب حقيقية؟ وهل خصصنا لأنفسنا وقتًا نناجي فيه الله بعيدًا عن صخب الحياة؟ إن دقائق صادقة بعد كل صلاة، أو قيامًا يسيرًا في جوف الليل، قد تكون بداية تحول عميق لا يشعر به الإنسان إلا بعد حين.

التغيير السلوكي: ضبط النفس، الصبر، وترك العادات السيئة
 

يجب على المسلم في رمضان وبعده تغيير قلبه، لتفتش عما بداخله من أمراض وآفات وشهوات وشبهات، من حسد، وحقد، وبغض، ورياء، وعجب، وكبر، لنطهر قلوبنا من هذه الآفات، ونملؤها بالخشية واليقين والخوف والرجاء والحب لمولانا عز وجل، كم نسمع بمن حقد على أخيه المسلم فقطعه بسبب أمر دنيوي، شهورًا بل سنوات، يدخل عليه رمضان ويخرج وهو قاطع هاجر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [مسلم (٢٥٦٥)].

ومن أعظم معاني الصيام أنه تدريب عملي على ضبط النفس، فالإنسان الذي يمتنع ساعات طويلة عن المباحات طاعةً لله، قادر بإذن الله أن يمتنع عن المحرمات، ولذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري (١٩٠٣)]

ويعد رمضان فرصة حقيقية لتغيير عادات رسخت في حياتنا؛ فالسهر الطويل على ما لا ينفع يمكن أن يتحول إلى وقت لقيام أو قراءة أو ذكر، والإفراط في استخدام وسائل التواصل يمكن أن يُضبط بوقت محدد لا يُتجاوز. والعصبية التي تثقل البيوت يمكن أن تهدأ حين يتذكر الصائم وصية سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [البخاري (١٩٠٤)، مسلم (١١٥١)]، إنها تربية يومية على الحلم وكظم الغيظ.