بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أون لاين

شبكات بلا عذر

فى كل ربع سنة تصدر الأرقام، وفى كل مرة يجد المواطن نفسه أمام المشهد ذاته، شركات تتحسن قليلاً وأخرى تتراجع كثيراً، وجهاز رقابى يوثق ويرصد، بينما يظل المستخدم فى نهاية المطاف هو الطرف الأضعف فى هذه المعادلة، ولعل هذا ما يجعل تقارير الجودة الفصلية وثيقة الصلة بحياة كل مواطن يحمل هاتفاً فى يده.

تقرير الربع الرابع من عام 2025 الصادر عن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات ليس مجرد وثيقة فنية تمتلئ بالمؤشرات والنسب المئوية، بل هو فى جوهره شهادة موثقة على حالة قطاع بالغ الأهمية فى حياة ملايين المصريين الذين يعتمدون يومياً على هواتفهم فى العمل والتعليم والتواصل والمعاملات الحكومية، وما يميز هذا التقرير أنه لا يكتفى بالأرقام بل يضعها فى سياق مقارن يكشف من يتقدم ومن يتراجع.

الأرقام التى رصدها التقرير عبر 145 ألف كيلومتر من القياسات الميدانية على 121 منطقة تقول الكثير، فودافون قلصت مناطق ضعف البيانات من 33 إلى 23 منطقة، وهذا تحسن حقيقى يستحق الإشارة والتقدير، وإى آند تصمد عند 4 مناطق ضعيفة فقط محتفظةً بأعلى سرعة تنزيل بين جميع المشغلين عند 57 ميجابت فى الثانية، وهو رقم يعكس استثماراً جاداً فى جودة الشبكة، فى المقابل تقفز وى من 11 إلى 16 منطقة متضررة فى الصوت خلال شهرين فقط، وهو ما يستدعى وقفة جادة ومراجعة حقيقية لأولويات الاستثمار فى البنية التحتية.

المواطن فى إحدى المناطق المتضررة لا يعرف شيئاً عن مؤشرات الجودة ولا عن خرائط القياس، كل ما يعرفه أن مكالمته تنقطع فى منتصف حديث مهم، وأن الصفحة لا تفتح حين يحتاج إليها، وأن فاتورته تُدفع فى موعدها دون تأخير يوم واحد، وبين هذا وذاك تتسع الفجوة بين ما يدفعه المستخدم وما يحصل عليه فعلياً، وهى فجوة لا تحل بالاعتذار وحده.

المشكلة ليست فى غياب الرقابة، فالجهاز القومى لتنظيم الاتصالات يؤدى دوره التوثيقى بجدية واضحة، والأرقام التى يصدرها تتسم بالدقة والشفافية وتُقارن بين المشغلين بموضوعية، لكن الأمل يظل معقوداً على تعزيز آليات المتابعة وإلزام المشغلين بجداول زمنية واضحة للتحسين، بما يُرسخ ثقة المستخدم فى منظومة الاتصالات بأكملها ويجعل التقرير أداة إصلاح لا مجرد توثيق.

على صعيد الإجراءات، تبدو الصورة مشجعة، أكبر صفقة ترددات فى تاريخ القطاع خطوة استراتيجية فى الاتجاه الصحيح، و317 محطة تغطية جديدة خلال ربع واحد رقم يعكس جدية فى التوسع، فضلاً عن الجولات الميدانية على فنادق الغردقة التى تعكس توسعاً إيجابياً فى مفهوم الرقابة ليشمل قطاع السياحة الحيوى، كل هذه الخطوات تعكس إرادة مؤسسية حقيقية للتطوير تستحق الإشادة والدعم.

شركات الاتصالات تعمل فى سوق تنافسية بامتيازات وتراخيص تفرض فى المقابل التزامات واضحة تجاه المستخدم، والفارق بين مشغل يقف عند 4 مناطق متضررة وآخر يصل إلى 16 منطقة ليس فارق إمكانات بقدر ما هو فارق فى الأولويات وحجم الاستثمار فى جودة الخدمة، وهو فارق تكشفه الأرقام بوضوح ولا يمكن تجاهله.

الجهاز القومى يملك الأرقام ويملك الصلاحيات، وما نأمله جميعاً أن تتحول هذه الأرقام من صفحات توثيق إلى قرارات إصلاح حقيقية، تجعل كل مشغل يدرك أن الارتقاء بجودة الخدمة ليس خياراً بل التزام أصيل تجاه المواطن والدولة معاً.